|
( ناصر) ..عودة إلى الحلم العربي ..
بعرض أكثر من عشر حلقات من مسلسل ( ناصر) الذي جمع بين الكاتب يسري الجندي
والمخرج باسل الخطيب ، يمكن أن نستخلص الكثير من الأفكار والمفاهيم
والمواقف والمشاهد والرؤى السياسية والتاريخية عن حياة الزعيم العربي
الخالد جمال عبد الناصر ،وعن الفترة والظروف التي برز فيها قائداً عربياً
فذاً استطاع ان ينقل مصر من حال إلى حال ،بل والعرب من الماء إلى الماء عن
طريق التحرر والتقدم والوحدة العربية . لن يستمتع بمسلسل ( ناصر) إلا من
انحاز إلى العروبة والى فلسطين والى الانتماء القومي العربي الواحد للأمة
العربية ولن يستوعب هذا العمل التاريخي والسياسي والإقليمي إلا من انحاز
بالدرجة الأولى إلى جمال عبد الناصر في حياته ،والى المفاهيم والأفكار التي
غرسها في نفوسنا كعرب وأحرار على امتداد كل السنوات وما بعدها والتي خلقت
منه رمزاً كبيراً وحقيقياً لأمة عربية تتوق إلى التحرر والتوحد ، وإلى طرد
الاستعمار ،والى رفض التبعية. "جمال عبد الناصر" لم يأت من فراغ ،بل هو
امتداد طبيعي وحقيقي لكل الرجالات التي أرادت لمصر أن تكون مصرية .هو
امتداد لأحمد عرابي وسعد زغلول وطلعت حرب ، وكل أولئك الذين أرادوا أن
تتخلص مصر من مستعمريها ،ومن جلاديها ،ومن الأجنبي وهو يستبد ويستعبد أبناء
الوطن من مصريين وعرب ،جمال عبد الناصر هو نتاج وضع ضغط باتجاه تخليص مصر
من مغتصبيها ، ولذلك كان جمال عبد الناصر هو الحلم العربي ،هو كلمة الحق ،هو
الأفق الممتد من المحيط إلى الخليج، به تفسر الحلم العربي، وبه عرف العرب
أين هي أقدامهم،وأين هي قبضاتهم ، وأين هي سواعدهم ،ولمن يمدون الحياة ،بحيث
تتسع لكل القلوب والصدور ولكل الجراحات وهي تتسع وتتسع من النيل إلى الفرات
،ومن الخرطوم إلى حلب ،ومن دمشق إلى تطوان ، ولم يكن من مكان لعبد الناصر
إلا القلوب ،لأن ليس كل من ركب "الحصان يبقى يا بشر خيّال". من هذه القواعد
،وذاك المنطق ينبغي أن ندقق في العمل الدرامي الكبير والرائع ( ناصر) وهو
يشد النظر ويدفع بنا إلى تساؤلات عن ذلك النجم الذي هوى ، ولم يمت ،بل عم
ذلك الحلم الذي لايزال يعشعش فينا ونكبر به ،حلم عروبتنا وهي تمنحنا كل
القوة من أجل أن نكون أحراراً،وأن نكون أقوياء أيضاً.لقد كان "الشدة" وكان
عبد الناصر ،وكان الحلم فكان الوطن ، كان القائد ، فكان النصر وكذلك الجرح
،كان الحق ،فعم الخير والاطمئنان والسلام .هكذا كان الكادر الفني لمسلسل
عبد الناصر ، في إيقاعه يدق ويدق على أن المنعطف قادم ، وأن الزمن العربي
لن يغيب عن الإشراق والسطوع ،لقد صنع منهم ( ناصر) على يد المخرج المتميز
والمبدع باسل الخطيب نجوماً تعطي للعمل والعرض السياسي التاريخي الممتد إلى
الحاضر بمواقفه ورؤاه.(ناصر) كل خصوصية لدفء ومشاعر التضامن والإحساس
بالانتماء إلى أشخاص هم منا وفينا ،تلك هي عائلة عبد الناصر ،بل ورفاقه في
تنظيم الضباط الأحرار .
وإذا كان من وقفات متأنية عن شخصيات غردت ونعرفها بالاسم ولتأخذ بيدنا إلى
الفهم الحقيقي والطبيعي لعبد الناصر ،الذي شغل العالم ،ولا يزال بمواقفه
ودوره وجهده وفكره وسياسته ،وشغل قبل العالم العرب وهم يبحثون عن خلاصهم
بقائد هو عبد الناصر،يعيد مجد صلاح الدين الأيوبي وعز الدين القسّام ،ويوسف
العظمة ،وسعد زغلول وأحمد عرابي.
وهكذا كان "مجدي كامل " في دور عبد الناصر ، نجماً غير عادي ، بل وقائداً
من طراز رفيع ، هو"عبد الناصر" بعينه وتفاصيل حياته ،بل وقسماته ومعالمه
وهي تأخذ القلوب..
والحديث عن "مجدي كامل " هو حديث بالطبع عن كل أولئك النجوم الذين حلقوا مع
عبد الناصر ليكونوا الألق والشموخ في الساحة العربية فنياً وسياسياً على حد
سواء .. لقاء الخميسي وصلاح عبد الله ،ومحمد وفيق ،وسوسن بدر ،ومحمد
الدفراوي ، وغيرهم وغيرهم .
بالنتيجة في مسلسل ( ناصر) نحن أمام تألق من نوع آخر للمخرج الكبير و
المبدع باسل الخطيب ، متجاوزاً كل ماقيل ومايمكن أن يقال عن عمل صعب وشاق ،استطاع
أن يحيله وبمهارة إلى عذوبة وصفاء، يصعب على غيره أن يفعل ذلك ، كما في (
ناصر).
أحمد صوان ( جريدة تشرين 16 – 9 – 2008 )
|