BACK       عودة


" فلسطينيات " باسل الخطيب

منذ سنوات طويلة كتبت مادة عن أستاذنا الراحل القاص بديع حقي، وفي هذه المادة اقتبست عنواناً من العناوين التي استخدمها الأدب الروائي والقصصي العربي السوري الفلسطيني للتميز عما كان يكتبه الروائيون والقصاصون من روايات وقصص أخرى لا تتعلق بالقضية الفلسطينية ، وإذا كان المخرج والروائي باسل الخطيب فلسطيني الهوية والبيئة إلا أنه أثبت في أعماله أنه سوري وعربي الهوى بامتياز، لذلك سأطلق على هذه المادة عنوان " فلسطينيات " باسل الخطيب حيث نحاول قراءة المنحى الفلسطيني في دراما باسل الخطيب التي تتناول القضية الفلسطينية ،ويمكن تقسيم دراما باسل الخطيب الفلسطينية إلى قسمين: الأول الذي كتبه مثل (أنا القدس) مع شقيقه تليد الخطيب، والذي أشرف على كتابته مثل (عياش) الذي كتبته السيدة ديانا جبّور، والثاني نصوص اختارها وأخرجها مثل (عائد إلى حيفا ) للكاتب الراحل غسان نزال و(رسائل الحب والحرب ) للكاتبة ريم حنا وإخراجه، وإذا كنا قد تعرضنا في مقال سابق إلى قراءة مسلسل ( أنا القدس ) ، محطات في النضال المقدسي ، فان الضرورة تقتضي في هذه المادة العمل على الجانب الإخراجي إضافة إلى ما تحتاجه من زوايا النص المأخوذ عن رواية للمخرج باسل الخطيب تحمل عنوان ( أحلام الغرس المقدس ) الفائزة بجائزة د. سعاد الصباح .
( أنا القدس) والتشبيك الدرامي الوثائقي
إن البناء الدرامي في هذا المسلسل يقوم على التشبيك مابين الفعل السياسي اليومي المقاوم، ومابين السند الدرامي المقاوم لإعطاء صورة حقيقية وحياتية عن الواقع المقدسي منذ بدايات القرن العشرين ، تعتمد على الأسرة المقدسية "عائلة خيري أبو عبد الله ،طلحت حمدي " و"سيرين "صبا مبارك وخالتها وأولاد خالتها روحي وغسان" وعائلة "جبرا، نوار بلبل "ووالد وأخته ، ويوسف "مجيد الخطيب "في الحلقات الأولى و"نضال نجم " بعد الحلقة السابعة، وأخته وجدته ووالده الأسير في سجون سيبيريا ، عائلة مصباح بيك "فاروق الفيشاوي وابنته ورد ،تاج حيدر وزوجته ، قمر عمرايا "وكذلك العائلة الصهيونية اليهودية " وفاء العبد الله الأم وابنتها عبير صبري هيلينا وأخوها وأيضاً عمر،إياس أبو غزالة "إضافة إلى "سعيد صالح" المبروك الذي وقع على عائلته الحائط الغربي من مدينة القدس القديمة أثناء زيارة الإمبراطور الألماني لها لافتتاح الكنيسة التابعة لهم كما ذكر المسلسل . يظهر المخرج باسل الخطيب الصراع الدرامي المستند إلى حقائق مقدسية بين عدة أطراف تتبدل على أهالي القدس، فمن العثمانيين الأتراك، إلى الانكليز، إلى العصابات الصهيونية، إلى جيش صهيوني منظم، هذا الصراع يأخذ عمقه الدرامي الإنساني في كل مرحلة من مراحل المسلسل ، لكي يثق المشاهد بأن ما يجري من أحداث حقيقية قابلة للتصديق وصولاً إلى مجموعة حقائق ثابتة قي التاريخ المقدسي من خلال القراءة الخاصة بالمخرج، ويزيد من هذه القابلية التوثيق السياسي والإنساني عبر شخصيات تاريخية حقيقية من تاريخ المدينة،ولا يخذل الممثلون السوريون والمصريون والعرب المخرج في خياراته الفنية ، لكن ما يلفت الانتباه كثيراً أنه تعامل مع مفردات واقع التصوير في المناطق السورية على أنها القدس، وقد نجح في انجاز تصوير المناطق الداخلية والخارجية من القدس وكأنها القدس تماماً، وخيارات التصوير التي عمل عليها أكدت أنها كانت موفقة ومقنعة لدرجة كبيرة ،وقد فرضت طبيعة تصوير العمل في أماكن متعددة رؤية مكانية محفوظة في ذاكرة الأجيال المقدسية . عمل باسل الخطيب على تجميل وتجويد الصورة في ( أنا القدس) بشكل كبير خصوصاً التي صورت في الطبيعة السورية القريبة إلى طبيعتها من أماكن في قضاء القدس وفضاءاتها، ويمكن الإستدلال على التجويد في الكثير من المشاهد واللقطات،ومنها على سبيل المثال لا الحصر ، لحظة وفاة طلحت حمدي أبو عبد لله وهو ينظر من نافذة بيته إلى مدينة القدس وبالمقابل تنظر الفتاة الصغيرة أخت يوسف إلى احد العجائز في القدس، في حين تقود كاريس بشارزوجة عبد الله ،عابد فهد، وهو عاجز، و"سعيد صالح" في زيّ البهلول يصرخ بالجمع : "قربت ياخلق "،ويفتح أبو عبد الله النافذة ويتكئ على الحائط ويسلم روحه إلى البارئ..ويتابع الخطيب خط جمال الصورة الذي يظهر في مكان إقامة "رقية "، المغارة والوادي ، وفي صورة الشارة الرئيسية وهي تنظر إلى مدينة القدس وتجثو على ركبتيها ناظرة إلى الأقصى وكنائس المدينة .
( عيّاش ) الإنسان والمقاوم ..
أهم ما يميز مسلسل (عيّاش) المأخوذ عن حياة المجاهد القسّامي يحيى عيّاش هو تقديمه بصفته إنساناً مقاوماً من طراز رفيع ، فالتجريب الذي يقدمه باسل الخطيب في هذه الشخصية مبني على رؤية إنسانية عميقة لدى الكاتبة ديانا جبّورالتي جعلت من يحيى عيّاش،أدى دوره،سامر المصري إنساناً أولاً . يقدم ما هو إنساني وعميق في الملامح الشخصية الإنسانية مثل عدم تقبل الأعمال الفدائية والاستشهادية التي يذهب ضحيتها أطفال ،ويعمق الخطيب الخط الإنساني في هذه الشخصية عندما تلد زوجته، بكرها الأول، البراء، فهو يغامر بدخول المشفى الذي ولد فيه ابنه ، ليطمئن على سلامة زوجته . وعندما يفيض به الشوق إلى زوجته وابنه يغامر من جديد إلى بيت أهله وبيته في قرية رافات، ويصل الخبر إلى جيش الإحتلال الصهيوني الذي يداهم البيت ،فيخرج عيّاش من النفق الذي حفر أسفل البيت بينما يتعرض أهله إلى التحقيق والمساءلة من قبل قادة حملة المداهمة. ورغم كل توصيات كتائب عز الدين القسّام وقيادة حماس في الضفة الغربية وغزة بالحفاظ على حياة عيّاش حيث يعمل زملاؤه في القيادة الميدانية على افتدائه الواحد تلو الآخر ويحمونه بأحداق العيون وشغاف القلب حتى يصل إلى تعليم وتدريب جيل كامل من المجاهدين على تصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة وتفخيخ السيارات . ونلحظ مدى التأثير الكبير الذي يعاني منه عيّاش عندما يقابل القائد المسؤول عنه في المرة الثانية قبل خروجه إلى قطاع غزة ، حين يسأله عن رأي القيادة ورأيه الشخصي فيه ، فيجيب القائد الذي أدى دوره الفنان عبد الرحمن أبو القاسم: إني أرى فيك تلك الزيتونة التي غرستها في ريعان الفتوة وأنت تمثل استمرار النضال الذي ورثته عن بلدي وأهلي . إن قدرات الممثلين، المصري وأبو القاسم، تظهر في هذه المشهدية الخاصة التي تظهر عمق إنسانية كل منهما في التأثير والتأثر وإيصال الحالات الخاصة جداً.. ويدرك كل منهما أنها لحظات الوداع الأخير بينهما لذلك نرى عمق الأداء الإنساني .


ويضاف إلى ذلك انه كإنسان أكد أنه لا يستطيع العيش دون أسرته الصغيرة حيث التحقت به أم البراء والبراء إلى قطاع غزة ليكمل إنسانيته بالصغير الجديد الذي ولدته زوجته . إن الجانب الإنساني الذي يظهره المخرج باسل الخطيب في شخصية عيّاش يستحق التقدير . يشهد المسلسل على أعمال المقاومة التي يقودها ويحضر لها عيّاش، وإذا كان انتماء عيّاش إلى حركة حماس العمود الفقري في تركيبة شخصيته، إلا أن صناع العمل وضعوا الخلفية الإيديولوجية الإسلامية لعياش إطاراً عاماً للفعل وليس أمام كل فعل مقاوم ،فهم أشاروا إليهاا منذ بداية العمل والمفاصل الرئيسية فيه ، لكن الفعل المقاوم استمر مع الخط الإنساني . أثناء العمل المقاوم نجد مجموعة من العملاء التي تنحاز إلى أجهزة الأمن المخابراتية الصهيونية وهذا ما يتسبب باستشهاد العديد من المجاهدين وصولاً إلى يحيى عياش، ونلحظ مدى الدقة التي عمل عليها عياش قبل إصدار الحكم على أي عميل، وإعطائه فرصة العودة إلى الخط الفلسطيني المقاوم، وهذا جانب إنساني آخر يؤكد عليه المخرج باسل الخطيب والكاتبة ديانا جبّور. ومن جديد جمالية الصورة عند المخرج لا تحتاج إلى تأكيد في كثير من المشاهد واللقطات،لكن يحق التأكيد على العلاقة المميزة بين المخرج الخطيب والبحر الذي نشاهده في غزة ، فالبحر صفة ملازمة للأعمال التي يكون البحر جزءاً منها . والأكثر جمالاً هو زاوية التصوير من الأعلى والقطع في لحظات اللقاء الخاص في بداية تعارف "عيّاش" و"كمال كحيل "لإظهار الفضاء البحري الجميل من المكان المهجور، وحميمية وحرارة هذا اللقاء.
عائد إلى حيفا والرواية
لم يخرج مسلسل (عائد إلى حيفا ) من عباءة الرواية التي كتبها المبدع الراحل غسان كنفاني وبقي باسل الخطيب أميناً للنص الكنفاني ،يحاكي الرواية من زوايا كثيرة ومتعددة ،فالعمل يحاكي قضية فلسطين في بعدها الإنساني العميق ، ويقف طويلاً أمام المشاهد التي تقدم حالات إنسانية وطنية بمضمون تراجيدي واضح ، يبدأ العمل مع النكبة الفلسطينية الكبرى عام 1948، في ذروة أحداثها ، ويقدم رحلة إنسانية طويلة من آلام التشرد والعذاب اليومي الفلسطيني اللذين تعرض لهما مئات الألوف من فلسطينيي الشتات والمهجرين بعدما اقتلعوا من أراضيهم ومدنهم وقراهم وحرموا من بيوتهم وأهلهم . فالمسلسل يغوص عميقاً في جرح النكبة ويومياتها منذ احتلال وسقوط مدينة حيفا عام 1948، من خلال متابعة عائلة فلسطينية مكونة من الزوج ،أستاذ المدرسة ، سعيد، سلوم حداد وزوجته صفية ،نورمان اسعد التي أضاعت ابنها الرضيع خلدون في دارها بحيفا إذ نجد أن الشتات الفلسطيني ليس واحداً، وإنما شتاتات ومهاجر ونزوحات عدة بين المخيمات في الأراضي الفلسطينية التي احتلت لاحقاً عام 1967، وخارجها ، وبين الشتات والمخيمات في بلدان اللجوء العربي . وهذا ما أكده باسل الخطيب حين قال :"إن رواية عائد إلى حيفا تمثل قضية الشعب الفلسطيني بكل ما فيها ، حيث تتكون أحداثها مما عايشه الشعب الفلسطيني في نكبته وبعد تشرده ".

العودة للبحث عن الإبن الضائع بعد ما يقارب العشرين عاماً أي بعد احتلال الكيان الصهيوني كل الأراضي الفلسطينية في العام 1967،هو مفتاح استمرارية المسلسل، فصورة هذا الابن مابين التنشئة الصهيونية والأصل الفلسطيني جعلت الأب سعيد يقول :" كنت أفتش عن فلسطين الحقيقية ،فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة ، أكثر من ريشة طاووس ،أكثر من ولد ، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم ". والبحث عن فلسطين هذه يأخذ شكلاً آخر عند الناقد سمير عطية إذ يقول :"إن الأعمال الفنية والأدبية التي تقدم لكي تكون شاهد إثبات على أن الوجدان الفلسطيني المسكون بجرح التاريخ وعبق الأجداد وقداسة القضية وعدالتها يستمد روحاً مضاعفاً من كل المكونات الموجودة داخل المعركة ، ثقافية كانت أم فنية ، أم تاريخية ،وهو مايتيح للجميع أن يشاركوا كل من خلال موقعه وإمكاناته في معركة العودة لأنها معركة المكان والحق والعدالة والتاريخ "التي هي فلسطين .
( رسائل الحب والحرب) وفلسطينيو الشتات ..
إذا كانت أعمال المخرج باسل الخطيب السابقة تقوم بشكل كبير على فلسطينيي الداخل مابين ال1948و1967، فإن رائعته ( رسائل الحب والحرب ) تحمل خطاً درامياً يقوم على فلسطينيي الشتات مابين سوريا ولبنان ، إذ يبدأ الخط من العلاقة التي تربط جلال، قصي خولي، بزميله قاسم، نضال نجم الذي يساعده بعد فراره من المعتقل للوصول إلى لبنان عبر جواز سفر مزور، يصل جلال إلى قلعة شقيف حيث يجد قاسم الفدائي بموقع للمقاومة الفلسطينية واللبنانية، ويشترك جلال مع قاسم بالتصدي للعدوان الإسرائيلي ما قبل اجتياح عام 1982،وصولاً إلى الاجتياح واحتلال بيروت مستعرضين العديد من مواقع المقاومة في الجنوب وبيروت، إضافة إلى استعراض بعض مكاتب المقاومة في بيروت منها المكتب الذي تعمل فيه نجاة ،نادين سلامة، وعروبة، ريم علي والجريدة اليومية التي يعمل فيها كريم ،احمد الزّين وجلال. يُضاف إلى ذلك مكان إقامة أهل نجاة في مخيم صبرا وشاتيلا ، فالمخيم يظهر من خلال أزقته الضيقة ، والبيت الذي تقطنه العائلة . ما يمكن تسجيله لمصلحة ( رسائل الحب والحرب ) هو تحول لبنان من جنوبه وبقاعه وعاصمته إلى مخيمات فلسطينية في الشتات نتيجة الإحتلال والاجتياح الصهيوني عام 1982، ولا يكتفي صناع المسلسل بإظهار المقاومة الفلسطينية واللبنانية وإنما يضاف إلى ذلك الجيش العربي السوري في البقاع بدباباته ومدفعيته وجنوده. يتابع العمل كل خطوط المقاومة قبل وأثناء وبعد الإجتياح ، ونلاحظ ذلك في اعتقال عروبة وتعذيبها على يد قوات الاحتلال في معتقل أنصار .والفعل المقاوم بعد مجزرة صبرا وشاتيلا من خلال نجاة التي تستمر في حمل البندقية. خلال المعارك تتجلى خطوط الحب الإنسانية التي تمثلت في الثنائي"قاسم ونجاة" و"جلال وسيدة" فهذا يدل على أن صناع العمل حافظوا على الطابع الوجداني للإنسان الفلسطيني والعربي المقاوم ، حيث لم يظهر وكأنه يقاتل من اجل القتال فقط، وإنما دفاعاً عن النفس والحق ،وإعلاء للمبادئ التي يعتنقها الإنسان ، فهذا جوزيف المقاتل مع المقاومة اللبنانية يضحك وهو يخالج الموت، ويقول :"ما أجمل أن يموت الإنسان من أجل فكرة اقتنع بها ".

من جديد لابد من التذكير بعلاقة باسل الخطيب بالبحر ، إذ يداعب جلال يداعب أمواج البحرعندما يقرأ الضابط أبو ناصر، نجاح سفكوني، رد جلال على أفكاره حول المدينة الفاضلة ،ومع هذه الأمواج واللعب والرمال يسرب مقولات المدينة الفاضلة التي يبحث عنها المفكرون والمناضلون بوجود "البحر،الرمال ،اللعب، الموج" على وقع نقاش مكتوب يقوم على الحوار الفلسفي حول المدينة الفاضلة ،والمفاهيم والقيم.
أخيراً، فلسطين تجمع ولا تفرق إذ جمعت "السجين والسجان" في الدفاع عن قضيتها، وتجمع الفلاسفة والمفكرين والمناضلين والمحبين والعشاق، وهكذا جمعت مسلسلات باسل الخطيب الفلسطينية كل ألوان الطيف المجتمعي العربي (الإسلامي ،العلماني،القومي) ، وجمعت أيضاً التاريخ الفلسطيني والسوري واللبناني بكل مكوناته المجتمعية . تحية لهذا المخرج المبدع الذي نقل الصراع الدائر مع الكيان الصهيوني منذ مطلع القرن حتى هذه اللحظات.

بسام سفر - مجلة دراما