|
المسكون بالتاريخ حتى الصميم..
يتقدم المخرج باسل الخطيب في بحر الأعمال التاريخية، حتى ليبدو وكأنه قد
اختصّ بها ، بالموازاة مع إبداعه للكثير من الأعمال المعاصرة والمنوّعة .
أخرج الكثير من الأعمال التاريخية، سواء كانت سيراً ذاتية لشخصيات تاريخيّة
سياسّية أو أدبية أو فنية . وقد ظل ّ على مسافة معيّنة من النصوص التي
أخرجها، وبرع في تناوله للتاريخ القريب، على الرغم من شائكيته وتلغيمه
وقربه . وإن كانت الأعمال التاريخيّة بشكل عام إشكالية ، فإنّ السّيريّة
تكون مضاعفة في إشكاليّتها ، لأن حياة الشخصيّات التاريخيّة تكون غنيّة
بالأحداث والمواقف التي تمكن مناقشتها من أكثر من جانب وتكون الأعمال
التاريخيّة عن شخصيات معاصرة أكثر صعوبة ، لما يكتنفها من تعقيد مركّب، إذ
لا يعدم من يظهر، زاعماً أو صادقاً، أنه وريث الراحل أو صديقه أو قريبه ،
إلى آخر تلك التوصيفات والقرابات المستجدّه، بحثاً عن شهرة غير مطولة ،أو
افتعال ضجيج لاكتساب منافع وامتيازات. يمكن اشتمام عبق التاريخ أو غضبه في
كلّ أعمال الخطيب الذي يبدو مسكوناً بالتاريخ حتى الصميم، لا يرتحل إلى
التاريخ، بل يتناوله بطريقته الفنّيةّ ورؤيته الإخراجية، ولا يخلو أيّ عمل
من أعماله من إسقاطات ذكيّة لافتة، ومن الأعمال التاريخية البارزة التي
قدّمها المخرج باسل الخطيب: ( هولاكو، نزار قباني ، أبو زيد الهلالي ، ذي
قار ، بلقيس، أدهم الشرقاويّ، ناصر،أيّام الغضب، الطويبي، جواد الليل، يحيى
عيّاش ، رسائل الحب ّوالحرب، أنا القدس ). ولعل من أكثر أعماله إشكالية
مسلسل (هولاكو) ، وكان هولاكو حفيد جنكيز خان ، القائد المنغولي الذي فتح
معظم بلاد جنوب غرب آسيا ، و كانت له يدٌ في إراقة الكثير من الدماء شرقاً
وغرباً. وقد أسند دور هولاكو إلى الفنان أيمن زيدان، الذي أدّى دور شخصيّة
لها صداها السلبي، وذكرها التشاؤميّ في، ولم يحاول تجميلها أو تقريبها
للمشاهدين بغية تغيير النظرة العامّة إزائها ، وقد استطاع خلق شعورين
متناقضين في الوقت نفسه، استهجان جرائمه وكره أفعاله ، ثم التعاطف معه في
حالات أخرى. مسلسل ( ذي قار) الذي تناول حقبة تاريخية مفصلية من تاريخ
العرب القديم، حيث كان العرب رازحون في ضعفهم، وتفرّقهم وتمزّقهم ،
وانقسامهم بين الولاء لهيمنة الدولتين الفارسية والرومانية ، يصوّر العمل
معركة ذي قار التي تبرز كدلالة مؤثّرة على إمكانية تحقيق الإنتصار حين
إتمام العدّة ،تدور أحداث الصراع بين مملكة الحيرة العربية، وملكها
النّعمان بن المنذر وابنته هند ، في مواجهة طغيان واستبداد الإمبراطورية
الفارسية وكسرى . يضم الحدث الرئيس في ثناياه أحداثاً جزئية وتفصيليّة
تتكامل لتنسج عملاً درامياً مفعماً بالدلالات والإسقاطات والعبَر . كما
صوّر مسلسل ( بلقيس ) قصة أميرة سبأ ابنة الملك الهدهاد التي تحتج على
سياسة أبيها بطرق شتّى، تحاوره بجرأة وكبرياء يرغمانه على الإقرار برجاحة
عقلها ، ثم ّ يسمح لها بمشاركته في الشؤون العامة وقضايا الحكم .يتوفّى
والدها لتجد نفسها وجهاً لوجه أمام التحدّيات والمؤامرات الخارجية
والداخلية التي يحيكها أقرب الناس إليها ، أخوها الذي يتآمر مع الأحباش
ضدّها، وابن عمها الذي يخطط لقتلها ، وكيف تنتصر عليهم برغم ضعف
إمكانيّاتها ، تناول باسل الخطيب في المسلسل واحدة من أهم فترات تاريخ
اليمن القديم التي شهدت توترات عسكريّة وحروباً قبلية استطاعت بلقيس
بذكائها وحكمتها ، أن تنتصر فيها وتوحّد البلاد تحت قيادتها حتى عرف اليمن
في عهدها باسم اليمن السعيد .كما سلط الضوء على الجانب العاطفيّ في حياة
بلقيس كامرأة .
مسلسل ( أبو زيد الهلالي ) الذي تناول مايُعرف بتغريبة بني هلال التي تحكي
هجرة أفراد القبيلة العربية إلى تونس وفتحهم لها . وكعادته في أعماله كلها
فقد كان الإسقاط فاعلاً ونافذاً ومؤثراً.. كما أخرج مسلسل (أدهم الشرقاوي )
حول البطل الشعبي المصري، وقد تجلى الإختلاف حول شخصية الشرقاوي وتصنيفه في
عداد الأبطال والمناضلين ..كأن المخرج أراد إيصال رسائل تحد ٍّ ورفض
ومقاومة للواقع التعيس الذي كان سائداً ، ولايزال كذلك في عدد من الأماكن
.. من الأعمال التي خلقت الكثير من ردود الأفعال إزاءها مسلسل ( نزار قباني
) الذي صور فيه سيرة الشاعر الراحل، كما وردت في السياق الكثير من الأحداث
والوقائع التاريخية المرافقة، التي كان نزار شاهداً عليها ، والتي أثرت في
شخصيته وشعره على السواء ،ومسلسل ( ناصر) الذي قدم فيه حياة الزعيم العربي
الراحل جمال عبد الناصر، ولم تهدأ الضجة من حوله .
كذلك مسلسل ( رسائل الحب والحرب) الذي تداخلت فيه الخيوط ، بين التاريخي
والاجتماعي المعاصر، لكنه ظل متعمّقاً في قلب التاريخ المعاص، تاريخ
الانتصار على آلة القمع الإسرائيليّة، وتاريخ تغيّر الشخصيات والمصائر ..وقد
أخرج مؤخّراً مسلسل ( أنا القدس) الذي اتسم بالطابع الفلسطيني . صور القدس
منذ بدايات مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين ، كان وثائقياً ، سياسياً ،
يسرد الأحداث من عام 1917 إلى عام 1967 ، يستعرض أهم ما حدث في هذه الحقبة
ضمن صيغة دراميّة ، قدم جرعة كبيرة من الجرأة في طرح تفاصيل كمنت وراء
المأساة المزمنة . يفسح باسل الخطيب، الذي كتب السيناريو، المجال للمدينة
المقدسة أن تعبّر عن نفسها، ويقدم القدس كأنها تتكلم عن نفسها وتاريخها ،
أشبه بحالة بوح بأحزانها وأفراحها من خلال شخوص العمل . وقد أكد باسل
الخطيب أنّ العمل مقارب في مواضيعه وأحداثه للواقع، وأنه مليئ بالحقائق
التي لم يسبق للمشاهد التعرّف إليها في الدراما العربية . يلاحظ المتابع ما
اشتغل عليه المخرج باسل الخطيب في المضامين .كما لايخفى الغنى الشكلي.
لاشك في أن ّ رهان المخرج باسل الخطيب ، المسكون بالتاريخ ، على التاريخ ،
تجلّى رهان بارع واع مدرك لكل مايتناوله ، ومن هنا كان امتيازه وكان
اختلافه .
هيثم حسين
- مجلة دراما
|