BACK       عودة


اجتماعيات باسل الخطيب ، كتابة الصور بفرشاة اسمها الكاميرا...

ليس غريباً أن تكون قراءة الأعمال الاجتماعية التي قدمها باسل الخطيب قراءة في عمق الحياة السورية المعاصرة، حيث خرج هذا الرجل منذ بداياته من كليشيهات الصناعة التلفزيونية السورية مقدماً روايته الأثيرة في صياغة دراما راقية كشّفت عن وحي جديد في تناول واقع الحال،حيث أثبت باسل الخطيب أن التلفزيوني قادر على نقل المعاش من حالته الرثة إلى مصاف الرومانسية الراقية دون الإغراق في وهمية الصورة المقدمة لمتفرج خرج لتوه من الفانتازيا ولواحقها، ومن استطالة الرواية التلفزيونية الكلاسيكية، فصاحب مسلسل (هوى بحري) أدرك أن الواقعية التي يبتغيها يجب أن تترك مسافة بين رتابة الحكاية الاجتماعية، وبين معنوية الصورة التي تجسد هذه الحكاية، من هنا كان إصراره منصباً منذ البداية على توقيع أعمال ذات طابع واقعي سحري لم تلتفت كثيراً لمقاييس السوق بقدر التفاتها إلى مغامرة شكل يعتبر أن العمل التلفزيوني هو فرصة لتمرير قيم جمالية وثقافية جديدة . لذلك أقدم باسل الخطيب على (هوى بحري) منجزاً أحد أهم الأعمال السورية على الإطلاق من ناحية الجرأة الفنية ليكون المشاهد السوري والعربي على حد سواء أمام ملحمة بصرية شعرية بكل ما تعني الكلمة من معنى .

في ( هوى بحري) لسنا أمام ترفيه مفرّغ من محتواه، لسنا أمام استهلاك صور، بقدر ما نحن أمام سينما حقيقية تتذرع بالتلفزيون لتقديم مناخات لشخصيات مكتوبة خارج الموديل التقليدي، شخصيات أدارها باسل الخطيب لجهة فهم تربوي خالص ، كل شئ كان في (هوى بحري) خارجاً عن قانون الثيمات الدرامية الإعتيادية ، فهناك الفرقة المسرحية التي تمر في قرية افتراضية تعيش في انتظار قبطانها العاشق"أيمن زيدان" وهناك مصور الفوتوغراف "أندريه سكاف" وعارض الأفلام الذي يحرقون له شاشته أمام البحر، والمغنية "نورا رحال" التي تموت بالسرطان، وثمة كاتب وصياد وعاشقة، هناك عرض المسرح الجوال الذي لا يأتي أحد لرؤية عروضه ، بانوراما عشق خالص قدمها الخطيب عبر التشفي من الجهل العام بقصيدة بصرية متواترة تطرح أسئلة على سكان وهميين- أصليين- في رواية تنكأ الجراح من مقامات متعددة، حكاية حب يتشابك الخيالي فيها مع الواقعي بأسلوبية عالية حيث المشهد لم يعد نتيجة حبكات تقليدية، وحيث المدهش يتقافز من لوحة إلى لوحة، متيحاً مع كل حلقة من (هوى بحري) جملاً مفعمة بشاعرية مغايرة لما كان سائداً نهاية التسعينيات في الدراما السورية من اشتغال على جعل الصورة تابعاً فنياً ليس إلا، لقد جاء باسل الخطيب بمعادلة مختلفة باحثاً عن نصه الخاص، ولهذا كانت الجرأة الفنية في معيار الطرح الجديد الذي تبناه هذا المخرج الذكي دون اللجوء إلى غلوّ في تقديم مانشيتات الصورة على حساب الموضوعات التي لامسها في مسلسله ( نساء صغيرات) مثلاً ، حيث يتسلل صاحب ( أنا القدس ) مجدداً إلى هدم البنى البطريركية من خلال أم وبناتها الثلاث في محاولة لنسج حكايات متشابكة عن عاطفة أنثوية تتمتد في اتجاهات مختلفة ، مبرماً روايته التلفزيونية هذه بعيداً عن إحالات مسبقة ، ليصبح الصراع الدائر في ( نساء صغيرات ) نموذجاً للحب والكراهية، ونمطاً معاصراً في قراءة عواطف المرأة وأحاسيسها بعيداً عن الوصاية الأبوية، صورة بالغة التأثير يديرها "باسل " على مسارات متنوعة أبرزها قصص الحب التي تعيشها الشقيقات الثلاث وفق وعي مختلف.

اللافت في تجربة باسل الخطيب هو هذا المناخ المطري الآسر، تلك الشاشة الندية التي يقدمها باستمرار من أغان بصوت الفنانة ميادة بسيليس فلا شئ منقطعاً عن أحوال الشخصيات داخل العمل الدرامي، بل كل قطعات الكاميرا تنحو باتجاه شاعرية شتائية كان أبرزها في (حنين) المسلسل الذي ألفته وإياه الكاتبة "ديانا جبور" وفق حلقات متواصلة من نوستالجيا تتصاعد فيها حكاية مميزة في عالم الحكايات التلفزيونية حيث تكون قصة حب بين المخرج الذي لعبه "أيمن زيدان" والممثلة "سوزان نجم الدين" يمتزج عبرها الحوار المسرحي بالحوار الدرامي، شتاء متواصل، عالم من الضباب والأشجار العارية على خشبة مسرح يلتقي عليها أبطال (حنين) لنشاهد كيف يبرع "الخطيب "مرة تلو مرة في صناعة مسلسل من صور تتجلى فيها فكرة مخرج (هولاكو) بالإبتعاد عن مؤشرات القراءة التقليدية للنص المكتوب، قراءة تصبح فيها الكاميرا فرشاة تنقل فيها الوجوه والأمكنة إلى الشاشة بلقطات قريبة ومتوسطة، آسرة وملفتة، لذلك كله لم يتنازل الخطيب خاصة في أعماله الاجتماعية عن تقنية المزج بين الكوادر التي يعود لتأليفها بشكل شخصي، كوادر يضمنها روحاً خالصة من النقد والعزلة، فالشخصية لا تغدو محض دور يقدمه ممثل، بل تصبح بوجهها وملابسها جزءاً من كوادر عمة يلحنها صاحب (جواد الليل) بتعبيرية تتفوق على القص الحكائي عابرة إياه نحو القص بالصورة، حيث تتعدد أدوات الكتابة عند خريج معهد السينما بموسكو، فمن تجربته الأولى في كتابة مسلسل (الخريف) ينزع هذه المرة إلى ملحمة كاملة من الوجد في (رسائل الحب والحرب ) الذي كتبته ريم حنا ،حيث نشاهد موهبة استثنائية لدى صاحب (الطويبي) في تقديم مونتاج بصري مكثف لسنوات الحياة السورية، محاظير كثيرة يمشي "الخطيب" على حوافها في هذا العمل الذي حقق نجاحاً استثنائياً في مراجعة الكثير من الممارسات الخاطئة، صراع السلطة والحب هذا تتخلله مشاهد في غاية الإتقان من جهة إدارة الكاميرا، وإعادة الشاعرية في نحت مكتمل للوجوه الماثلة في الكادر، فرغم أن السيناريو مكتوب بحرفية بالغة إلا أن باسل الخطيب ظل مصراً على كتابة ثانية عبر الصورة التي احتالت على الكثير من مقصات الرقابة لتمرير ما لايمكن تمريره في حوار الشخصيات، هذا ما يميز كاميرا هذا الفنان القادر في كل مرة يتصدى فيها لتحقيق عمل جديد على إعداد نصه الخاص، فزاوية التصوير، وحجم اللقطة، والقطع الموسيقية، والضوء المنسل من خلفية الكادر، كل هذا يعرف "الخطيب" كيف يهيمنه لصالح العرض التلفزيوني بأناقة تتعدى اللغة التواصلية إلى لغة شاعرية يمكن قراءتها عشرات القراءات في كل مرة يعود فيها المشاهد إلى رؤية العرض. أيضاً في ( رسائل الحب والحرب ) يمكننا ملاحظة الأبعاد الجمالية للصورة والتي تستقي بدورها إحالات متعددة لنص يمشي على الحواف، كما كل أعمال باسل الخطيب التي لا تتنازل عن الطرح وجدته وجرأته، كما أنها لا تقدم لقطات مجانية لمجرد الاستعراض الخُلّبي وتدوير زوايا التصوير، بل تصبح المشاهد عبارة عن رواية قائمة بحد ذاته، بهدف التخلص من أكبر قدر ممكن من اللّعي البصري قبل الكلامي، وصولاً إلى غابة من المرايا المتقابلة، مرايا تضع المشاهد أمام موشور لا متناهي من قراءة العمل التلفزيوني ، فصاحب فيلم ( اللعنة ) يمتلك الكثير من الحلول الجديدة في إزاحة اللقطات الإضافية وترجمتها زمنياً إلى نص بصري موازٍ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .

سامر محمد إسماعيل - مجلة دراما