BACK       عودة

رسائل الحب والحرب
صورة تغني الوعي وتلون المشاعر


باسل الخطيب لا يغرينا، لم يغرنا بعري الأجساد كبعض المخرجين، مع انه عريّ ممنوع في الدراما السورية، وهو من أسباب نجاحها وقبولها شعبياً على الصعيد العربي، كان باسل الخطيب يفرجينا عريّ الأرواح، الأرواح التي تتبهرج لتحقق هدف الرفاهية، الموت للجميع، وهذا ما أعطى الزمن"التلفزيوني" حساً "سينمائياً أدبياً"، فالزينة وتسريحات الشعر ،واللباس ،والفرش، والسيارات، سيارات العقيد، لم تكن أيضاً لتثيرنا بل كانت لتؤكد على حقيقة، على انتماء هذه الكائنات، الشخصيات سواء كانت شعبية أونخبوية أو سلطوية، إلى أصولها الاجتماعية ، وباسل هنا لم يؤنث الرجولة ، ولم(يؤرجل ) الأنوثة ،عبارة (أحبك) التي قالتها نيسان،سلاف فواخرجي، للعقيد ناظم ،سلوم حداد، كلفتها كثيراً من الناحية الحسية، وبقيت خارج الشبق رغم أنها هنا حلاله وزوجته، فلم تمارسها تمثلها (تراجدها) بسلوك عشقي .

باسل الخطيب في (رسائل الحب والحرب) لا يشرح ولا ينقل معلومة، بل هو يحلل، يبحث، يتحقق، حتى أن المعلومة التي هي هذا السرد الروائي لما حدث معنا في حالتي الحب والحرب كانت مُعاشاً نفسياً ، قدم لنا فيها المخرج رؤيته وموقفه الفكري والفلسفي ، إنما بترتيب عناصر الزمان والمكان التاريخي ،الروائي، للأحداث التي تمثلها شخصيات العمل .

من جانب آخر، فان استخدام الإضاءة وكذلك الموسيقى، وهو استخدام تأثيري ،ليؤثر ، وفي الكثير من المشاهد ،ساعدانا لنقع في الصورة /الواقعية الكلاسيكية التي تكشف مزاج شخصية عُصابية مثل العقيد ناظم والتي أظن أن استجابتنا العاطفية لها كانت قوية،فالإضاءة التي تكشف الألوان، وإن بدت لوناً واحداً، إنما لأنها لون النفس، نفس العقيد المؤثرة المضطّربة المهزومة من الداخل . المثير في الإضاءة ،أن باسل لم يلجأ إلى ضوء الشمس فنحن نحس بالصباح والمساء ب/نهار وليل/ فمن أزرق يوشح الصورة ،المشهد ، إلى أصفر يذهب إلى البني المحروق فالرمادي ،ويسكن المشاهد طوال زمن المسلسل.

باسل الخطيب كان يلون عواطفنا : شعورنا بالألم .يَشحنُ المَشاهِدَ، يحبكها لونياً بتلك القسوة التي حوّلها العقيد ناظم إلى جنزير لفه على رقاب كل ضحاياه، من زوجته الأولى نظيرة، إلى أمّه وعمّته اللتين ماتتا في الثلث الأول من العمل فإلى فارس وجلال ونيسان . باسل وإن كان استخدامه للألوان يكشف عن صلف وعنجهية العقيد ، فإنما ليصنع الصورة مفتوحة وليست مغلقة، صورة نُصدّقها ، صورة لا يحتجزنا فيها ..صورة تُغني وعينا بالصراع. (رسائل الحب والحرب) عمل مفتوح على المستقبل، لأنه يشذّ عن القاعدة التي تُبنى عليها الأعمال التلفزيونية السورية والعربية، ولسبب هو أن ريم حنا وباسل الخطيب إشتغلاه بتأمّل شديد، تأمّل سقيا، بل كانا يرويان ويخصّبان فيه الخيال، خيالنا ، كي يحميا أحلامنا التي مازالت تكبر.

أنور محمد