BACK       عودة

صاحب حلم ورؤيا

د. رياض عصمت
ملحق جريدة تشرين السنة الثانية العدد 26


عرفت باسل الخطيب منذ عاد من دراسته للإخراج السينمائي وشعرت بطموحه الكبير يتقد كجمرة تحت الرماد .كان يشجع أحلامه زوجته الناقدة السينمائية ديانا جبور ، وبدأ يتعاون معها في دراما قصيرة ، ليثبت جدارته بمهنة الإخراج التلفزيوني ، لذلك ، لم أفاجأ حيث شاهدت بواكير مسلسلاته الطويلة مع الفنان أيمن زيدان ، فقد عرف كيف يطوع الصورة لخدمة المضمون الدرامي ، واستطاع التقاط تفاصيل مرهفة في اداء الشخصيات ، بل قاد ممثلاته وممثليه لعطاء ملتهب بالعاطفة ..
باسل الخطيب جدي في أعماله ، لم يقارب الكوميد يا إلا عبر ملامسة خفيفة فيما ندر ، بل قارب العنف والقسوة ساعياً كي يعبر من خلالهما بقوة ، وبالأحرى يؤثر ويحرّض ، ولو هزّ المشاعر الحساسة . لطالما وجدت في إخراج باسل الخطيب لمسات الشاعرية ، التي ربما ورثها عن جينات والده الشاعر الكبير يوسف الخطيب، بلا شك، استبدل باسل شاعرية الكلمات بشاعرية الصور .
اقتربت من باسل خلال إخراجه مسلسل "الطويبي" فرأيت بأم عيني كم يبذل من طاقة وجهد، وكيف يعمل بسرعة فائقة تحت وطأة مختلف الظروف الصعبة، وكأنه يخوض معركة مع الزمن والتحديات في كل لحظة. وباسل مخرج يعرف كيف يتجنب المطبات، وينسل ناجياً منها ببراعة . أذكر أنه، عندما أخرج مسلسل (هولاكو) من تأليفي، تعرض إلى بعض الصعوبات الخارجة عن إرادته ، وصلت إلى حد تحطيم طائرة هليكوبتر والإضطرار إلى الاستغناء عن ممثل في اللحظات الحاسمة . ولكن باسل الخطيب استطاع رغم ذلك انجاز عمل ضخم ومبهر إنتاجياً، مقدماً أيمن زيدان في واحد من أفضل أدواره على الإطلاق، وإلى جواره كل من جيانا عيد ونورمان أسعد ، فضلاً عن عديد من الممثلين المخضرمين والشباب، من من منحهم فرصاً جيدة . نجح المسلسل في خلق دراما ذات مصداقية مع التاريخ، وفي الوقت نفسه فيها خيال، بحيث تحمل اسقاطاً سياسياً معاصراً متعدد التفسيرات يحمل أبعاد إنسانية، تشيد بتماسك اللحمة الوطنية، ترفع راية المقاومة الباسلة وتشجب الغزو والإحتلال . جدير بالذكر أن مسلسل (هولاكو) نال الجائزة الذهبية لأفضل مسلسل تاريخي في مهرجان الإذاعة والتلفزويون العربي في تونس عام 2003 ، كما عرض في عديد من المحطات الفضائية العربية، مشرقاً ومغرباً .
أما رائعة باسل الخطيب، فكانت مسلسله (رسائل الحب والحرب) ، وهو مسلسل بلغ فيه باسل ذروة الإبداع بين أعماله ، مقدماً سلاف فواخرجي ، وسلوم حداد ، وقصي خولي ، وسليم صبري، وريم علي وسواهم من الممثلين القديرين شباناً وشيباً في أفضل حالاتهم .
باسل الخطيب مخرج صاحب حلم ورؤيا، تصاحبهما قدرة جبارة على العمل .. وأعتقد أنه بلغ من النضج الفني والفكري ما جعله يحرص على تحسين أدواته، وتصحيح اختياراته، بحيث لا يسمح بضغط كثافة الأعمال العربية، التي صارت تسعى إليه، أن يؤثر على مستوى عمله الفني أو يجبره على أية تنازلات .

د. رياض عصمت