|
(هولاكو) متعة الرعب ودروس التاريخ..
اجتاح التتار بغداد!! بعد656عاماًمن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، يجتاح
التتار بغداد التي سقطت تحت أرجل خيل هولاكو في طريقها إلى عاصمة الخلافة
..والطريق كانت مفروشة كالعادة بولاة خونة وعلماء متخاذلين وشعوب لاهية !
يعتبر عام 1258م نقطة سوداء في تاريخ العرب بسقوط الدولة العباسية ،بل إنه
بداية مسيرة الذل والهوان للحضارة العربية ، الحضارة التي وقف الإنسان
العربي على رأسها فترة طويلة .. كيف استطاع هولاكو أن يصل إلى بغداد؟! وكيف
انهارت بغداد بسهولة ؟! من هو الآثم؟! من كان بلا خطيئة في تلك المرحلة؟ لم
تعتد الدراما العربية بأنواعها على طرح هذا الأمر من باب السؤال
والإستفسار،لماذا حدث هذا ؟ بل اكتفت أنواع الدراما العربية بتحذير المشاهد
عبر تجميد الشخصيات التاريخية والعربية والإسلامية من باب أن هذا ما كنا
عليه في حين الوضع العربي براهنيته ومنذ سنوات طويلة يعيش في عبث دون تمحيص
ما يجري معنا الآن..دون أن ندرك أن التاريخ يعيد نفسه بالسيرة وبالتفاصيل
..لكن شاءت الأقدار أن يحدث هذا معنا .. ولأجل ذلك تبدو أهمية العمل
الدرامي الذي تبنته إنتاجياً وفنياً "أبوظبي" ذات الحضور الفاعل إعلامياً
على الساحة العربية مع شركة الشرق التي يديرها أيمن زيدان والذي عنون باسم
بطل تلك المرحلة (هولاكو) عن سيناريو كتبه الدكتور رياض عصمت وأخرجه المخرج
باسل الخطيب .
كان حرص الدكتور رياض عصمت على إغناء الحدث التاريخي بحدث درامي واضح
..لأجل هذا تعرض لحياة جنكيز خان الذي أسس دولة المغول المترامية الأطراف
بعد سلسلة إخفاقات عانى منها في صغره ،وما لم يعرض فإن والدة جنكيز خان
كانت تكنى ب"أم تيموجين" .تمكن ولدها اليافع من التأسيس لهذه الدولة وتحقيق
وحدة مهمة مع باقي القبائل الأخرى ولحرص جنكيز خان على تأسيس دولة قوية حقق
قانون " ألياسا " الذي صار الوثيقة الحياتية والتشريعية للمغول .وبوفاته آل
الأمر إلى أولاده .. وقد كان اهتمامه بهولاكو منذ صغره واضحاً حيث كان أحد
أهم أحفاده وأقربهم إليه ..في هذا الوقت كان المغول قد حققوا نتائج مهمة
على صعيد القضاء على الحضارات والدول المجاورة لهم والتي عرفت باسمهم وصارت
تحت لوائهم ..ومع اشتداد بأس المغول كانت الدولة العباسية تمر في أسوأ
أيامها عصر الضعف والسيادة الاسمية للخليفة على المناطق والدويلات التي
خلفها العباسيون من الأمويين وقويت مع أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد
والمأمون .ولا شك في دخول العنصر الأعجمي إلى السلطة العباسية العربية قد
مهد لانهيارها تدريجياً، وفي الفترة التي سيدخل فيها "هولاكو" إلى بغداد
ستكون المدينة فتحت أبوابها عبر التفسخ الاجتماعي والاقتصادي وانهيار القيم
الإنسانية والترهل في كل مرافق الدولة، لا ينجح الغزاة في دحر الحضارات إلا
في ظروف كهذه ، و"لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "
بدأت أحداث العمل مع جنكيز خان في السنوات الأخيرة من حياته وإذا كان
المخرج باسل الخطيب قد أحسن اختيار الممثل الكبير عبد الرحمن آل رشي لأدائه
الشخصية إلا انه وعبر السيناريو قد غيبها سريعاً، واعتمد على حضور جنكيز
خان التاريخي والدرامي للتمهيد لهولاكو.
وقد عدت إلى مصادر عديدة للبحث في نهاية جنكيز خان ولكنني لم أعثر حقيقة
على هذه الطريقة التي غيب بها دون أن أنفي براعة المشهد الذي قتل فيه في
مخدعه على يد السيدة الصينية انتقاماً لزوجها ولأهلها وانتحارها عبر نافذة
المخدع ذاته . يبرز في هذه المرحلة من المسلسل اجتهاد المخرج لإدخالنا إلى
طبيعة الحياة المغولية كيف كانوا يلبسون..كيف كانوا يأكلون ..ماذا يشربون ؟
الوحشية والهمجية التي غلفت حياتهم ! وقد لاحظ المشاهد في هذه الفترة
البركان الذي كان يغلي داخل الفتى هولاكو وحبه للقتل والدم الأمر الذي أهله
لأن يكون قائداً مغولياً حسب أعرافهم ..ومع إطلالة أيمن زيدان كنا في ترقب
ماذا سيحمل من صفات وماذا سيعمل في شبابه وفتوته ؟ لا أجزم أن هناك تطابقاً
أو استمراراً في التكوين الشخصي الدرامي لكلتا الشخصيتين ، بحيث أن لكل
شخصية فرادتها وحضورها ..ولكنني أجزم أن أيمن زيدان وبحرفية درامية عالية
قدم رؤية مهمة لشخص تاريخي كهولاكو.. ربما وجد أن الانفعال الزائد والبطش
المتكرر لن يغني الشخصية فارتأى الهدوء والاتزان عل أن يفاجأ المشاهد
تباعاً بذرى في الأداء تجعله يتمسك بالجديد الذي سيشاهده، وهنا كانت لمسات
باسل الخطيب على تأكيد هذا التصوير عبر الشكل الخارجي وعبر مساحة العينين
تحديداً بحيث لا يكره المشاهد هذه الشخصية مباشرة وبالتالي لا يريده أن
يحبها ..
والمسلسل برز فيه الاعتماد على الممثل في الدرجة الأولى ، لم يكن الهدف منه
إبراز الجماليات، بل كل ما هنالك ممثلون وواقعة تاريخية وقصص دعم بها
الكاتب من خياله المادة التاريخية الجافة وبث في العمل روحاً وآثار ذات
صيغة متميزة ..ومنها حكاية نزار ومغامراته وحالات الأخذ والرد بين زوجتىّ
هولاكو، وهي طريقة حاول فيها د.رياض عصمت أن يحرر الدراما التاريخية من
أسرها التوثيقي إلى الحكايا التي تثير المشاهد وتجعله يقبل على المعلومة
التاريخية ويفهمها بطريقة خاصة.
تضيء العمل المواهب الشابة والأدوار الصغيرة التي أداها ممثلون كبار ..وهنا
بإمكاننا أن نتوقف مع ما قدمته الفنانة الكبيرة صباح الجزائري في مشاهدها
العشرة، وما قدمه الفنان حسن عويتي "الطوسي" أو "ابن الجوزي" صالح الحايك،"
وسيد القلعة "بري العواني دون أن ننفي أجادة هاني الروماني ل"ابن العلقمي "
أو عامر علي في دور "نزار" وأما زياد سعد فإنه يقدم لمسات هادئة لشخصية
المفكر "الجويني" مستشار هولاكو. ويحتاج إلى إطلالة نقدية خاصة الفنان فتحي
الهداوي الذي قدم رؤية إبداعية منه كممثل لشخصية "الخليفة العباسي
المستعصم" وهو أحد الأسماء المسرحية المهمة في تونس والعالم العربي وإن كان
ثمة فقرة لم يسدها النص بعلاقة هذا الخليفة مع أبنائه ونسائه اللواتي وصلن
إلى 750 زوجة حسبما تذكر بعض المصادر التاريخية الخاصة بحياة المستعصم، وقد
لجأ النص إلى اللعب على ما يعتلج داخل شخصية هولاكو عبر زوجتيه فكانت
الثنائيات المتناقضة ، الهدوء والحركة ، الحب والكراهية، السلام والدم،
وهذا ما قدمته الزوجتان جيانا عيد بدور"طوقوز" ونورمان أسعد بدور" قوتوي" .
وبالرغم من المخرج اجتهد كثيراً لخلق احتفالية خاصة بهولاكو بحيث تغني
الصورة المعلومة التاريخية وتقدم للمشاهد كوثيقة فنية إلى جانب الوثيقة
التاريخية المعروضة وباسل الخطيب مشهود له أعمال درامية على درجة غاية
الأهمية (ذي قار، هوى بحري، أيام الغضب، الطويبي) وهو من الأسماء المهمة في
الموجة الجديدة في الدراما السورية ، إلا انه لم يعر الحروب ومشاهد القتل
والدمار الإهتمام اللازم فكانت الكثير من المعلومات الحربية تورد من خلال
الحديث على لسان الشخصيات. ولكن رغم كل ملاحظاتنا على ما نقص هذا العمل على
الحكايا التي قدمت لتغني مسيرة العمل تاريخياً ودرامياً يظل (هولاكو)
واحداً من المسلسلات الاستثنائية التي حظيت باهتمام المشاهد العربي لما فيه
من جرأة وحرفية عالية ربما انسجمت من خلال بعض المفردات التاريخية مع ما
يحدث الآن في العراق الحبيب . وقد استطاع السيناريو الذي كتبه د.رياض عصمت
بحرفية مشهدية عالية وبلغة متقنة أن يعبر عن هذه الدلالات وفق مفردات
استخدمت لهذا الغرض.
وبهذا تكون الدراما فعلت فعلتها وحققت النتائج المرجوة من خلال توليف
الأحداث وتحقيق عملية الإسقاط على ما يحدث الآن ..راجين من الله أن تحافظ
على حيويتها وعروبتها وازدهارها في كل العصور والأوقات.
فاديا دلا ( الإتحاد الإماراتية 9- 12 – 2002 )
|