|
(
عائد إلى حيفا ) .. دراما وطنية وإنسانية
عائد إلى حيفا ل"غسان كنفاني" سبق اعتمادها في كثير من الأعمال الفنية
كمرتكز درامي ومجدداً تحولت إلى مسلسل في سيناريو إعداد غسان نزال وإخراج
باسل الخطيب . ميز العمل الإبعاد الإنسانية للقضية الفلسطينية، متداخلة
بشكل دقيق مع أرضيتها السياسية وحقائقها التاريخية، حيث صور عوالم التشرد
والاضطهاد الذي عاشه الشعب الفلسطيني ، أثناء النكبة وبعدها فأوصل معاناة
أناسها وآلامهم التي لم تنته منذ أن حول الوطن الأم إلى غربة وحرمان
والنفوس إلى عالم خصب للقهر والآلام والابن إلى عدو يهدد ،فهاهو خلدون الذي
أضاعه أهله رضيعاً في حيفا المغتصبة عنوة عنهم صار"دوف". أقنعه المغتصبون
بتخلي الأهل عنه وعن دارهم وأرضهم وحولوا جنسيته وغسلوا دماغه عبر التلفيق
والتزييف الذي يتكئ عليه الكيان الصهيوني في العلاقة الفردية وانتهاء ببناء
دولته وسياستها .
نقلت دراما العمل بعناية وإصرار حالات ونماذج بشرية تحاكي الواقع وتصور
ظروف النكبة والتهجير بمساعدة معطيات فنية ودرامية مكنت من نقل الآم
الإنسان الفلسطيني ورحلة عذاب أوصلته إلى التحول من مشرد إلى فدائي ضحى
ويضحي بنفسه من أجل وطنه وكرامته ويحمل في صدره أملاً مطلقاً بالعودة
والتحرير لن يطال هامته العالية أي عائق ومهما كان استلاب لم يشهد التاريخ
مثيلاً له، حيث اقتلع شعب بأكمله من أرضه بالتهجير والمذابح . حاولت أحداث
المسلسل تصويره ويحرض على المستوى الواقعي مقاربات بين تلك الحقائق المأساة
والاتهامات الموجهة بالإرهاب لمن يحاول استرجاع كرامته فتقلب الحقائق رأساً
على عقب، تلك الحقائق لن يقوى عليها الزمن إنما أضاءتها كي تبقى على الدوم
ساطعة في الوجدان والذاكرة ،هذا ما سعت إليه تلك الدراما التي تمتلئ
بالمشاعر الوطنية وتحض على التمسك بالقضية مهما صعبت الظروف . بين نص روائي
حمل الواقع بين طياته وسيناريو حوله إلى شكل درامي وإخراج ترجمه برؤية
إبداعية خرج مسلسل (عائد إلى حيفا) للنور بجمع بين المضمون المسؤول
والابتكار الفني. ظهرت أسلوبية باسل الخطيب وبصمته في صناعة المشهد الدرامي
فهناك مشهدية متميزة تعج بالجمالية رغم قسوة ما تصوره من معاناة وحالات
إنسانية معذبة إذ نقلت واقعاً مؤلماً ملحقاً بالفقدان والتشرد ، فالصورة
الجميلة بتشكيلاتها والمصنوعة ببراعة كانت حاضرة وتملي نفسها بقوة رغم
الحقائق المريرة جنباً إلى جنب لتعميق الأحاسيس تجاه المعاناة الإنسانية
وحالاتها المتنوعة المراد وصولها إلى المتلقي وقد وصلت عبر سيرورة منطقية
ومقنعة لأحداث المسلسل وهدفه ولأسلوبه الفني الذي نقلها بشكل موفق وهاهي
الكاميرا لم تغفل نموذجاً إلا وركزت على ملامحه وحركاته وتقاسيم وجهه حتى
تملأ عين ونفس المتلقي بما حملته من أسى وعذاب وحزن من جراء النكبة
وتبعاتها بعد خسران الوطن . وقد نقل ذلك الأداء الفني باقتدار مجموعة من
الفنانين السوريين نورمان أسعد، سلوم حداد، صباح جزائري،سامر المصري،تيسير
إدريس، قمر عمرايا ، فاديا خطاب ، ماهر صليبي ، تولين البكري وغيرهم ، فقد
استطاعوا حقيقة أن ينقلوا عوالم إنسانية مثقلة بالقهر والمعاناة .
آنا عزيز الخضر ( جريدة تشرين21- 11- 2004 )
|