BACK       عودة


ذي قار.. المعادلة التاريخية في الدراما

لا أعتقد بأن هناك اليوم من هو قادر على متابعة مسلسل بثلاثين حلقة مثل ( ذي قار) لاكتشاف مقولة بسيطة من قبيل حتمية انتصار قوة الحق على طغيان القوة خاصةً إذا كانت النتيجة واضحة قبل البدء بمشاهدة الحلقة الأولى . ربما كان هذا الاستنتاج ساذجاً بالقياس إلى متابعة الجمهور لهذا المسلسل (تأليف جمال أبو حمدان ،إخراج باسل الخطيب ) الذي استحوذ على المشاهدين منذ بثه الأول خلال رمضان على غير فضائية عربية ،ومؤخراً على التلفزيون السوري . تعيدنا علاقة الجمهور بذي قار إلى بدايات الدراما مع المسرح اليوناني العريق الذي كان لا يتوقف عن تقديم الأعمال المسرحية المستقاة من الملاحم المعروفة الجميلة آنذاك ،ومع ذلك كان الجمهور يُقبل بقوة على مسرحيات يوربيدس وسوفوكليس رغم معرفته لما سيجري ،إذ تكون المعالجة والرؤية الدرامية والبصرية هي المعيار في تقديم تأويلات جديدة للأحداث ،وهو ما جري للمشاهد العربي وهو يتابع المسلسل التلفزيوني ( ذي قار) .
ورطة الحدث التاريخي : لكن ما هي المعالجة الدرامية والرؤية الفنية والإبداعية التي أقنعت المشاهد بالمتابعة على خلاف الأعمال الشبيهة الأخرى ؟ التحدي الكبير الذي ورط القاص الأردني جمال أبو حمدان نفسه فيه لم يكن سوى مغامرة غير مضمونة النتائج ، لكنها تستند إلى جملة من الأسس لعل أبسطها أن الحدث لم يستنفد تلفزيونياً ،وهو الأول وفقاً للمعلومات المتداولة ، لكن هل يكفي هذا ؟ اعتمد أبو حمدان على بنية درامية مستنبتة من الحدث التاريخي المعروف للجميع ،وهو ذو كثافة فعلية ،أي يملك مجموعة من الأفعال القابلة لان يكتفي بها درامياً ،وهذا ما كان سيحصل مع أي كاتب مبتدئ ، لكن أبو حمدان لم يقدم عملاً درامياً إستنساخياً عن التاريخ ،إنما قام بتفعيل مجموعة من الأحداث المثبتة تاريخياً عبر محاور عدة، طلب كسرى لبنات النعمان ،حشد القوى ، العلاقات داخل قصر كسرى..الخ، على التوازي مع محاور متخيلة ،علاقات الحب ، العلاقة بين القبائل ..الخ وأعطى الكثير من الشخصيات الحقيقية تاريخياً والمتخيلة على حد سواء كثافة إنسانية ودرامية ، كل ذلك وفق سياق من التوازن ، بحيث إذا ما بحثنا عن المصداقية التاريخية وجدناها دون حرفها عن مسارها ولِّي عنقها لخدمة المقولة ، كما يحصل في معظم الأعمال التاريخية التي شاهدناها مؤخراً على التلفزيون السوري . وإذا ما بحثنا عن الخصوصية الفنية للدراما التلفزيونية وجدناها حاضرة وبحرفية عالية ، بدءاً من بنية الشخصيات والأحداث ذات المرجعية التاريخية ،وصولاً الى الشخصيات المتخيلة ،مروراً ببنية كل مشهد على حدة وعلاقته مع البؤر الدرامية الأخرى ، وكذا الحوار الذي جاء على مستويين متداخلين: ألا وهو تحميله الوظيفة الإبلاغية المعبرة عن الشخصية وتواصلها مع الآخرين ،والثاني تواشجه مع البنية الفكرية المتوارية خلف الأحداث ، وذلك بأسلوب منح الأفكار وظيفة النسغ المغذي للملفوظ وليس ثمرة له ، هذه الثمرة التي تظهر على هيئة كليشيهات جاهزة في معظم الأعمال المنفّرة .
يسجل للكاتب التميز في تقديم دراما تلفزيونية استطاعت أفكارها أن تجد موضعها المناسب داخل سياق المشاهد الزماني والمكاني ، بحيث لم تقف الوظيفة التي اصطلحنا عليها (النسغية) للأفكار أن تقف عند سطح الشاشة والشخصيات ،إنما استطاعت أن تمتد لتصل إلى ذهن المتلقي الذي أعاد تركيبها داخل الواقع

المعاش (الآن وهنا)، ليصبح العمل معاصراً بامتياز دون قسر للتاريخ، لذلك حين كان المتلقي يتابع العمل كانت المرجعية التاريخية ومصداقيتها مجرد ذريعة سرعان ما التقط المشاهد الماحاتها .الإخراج..قراءة موازية : ولم يكن لهذه النسغ أن تصل إلى المتلقي لو لم تجد القنوات القادرة على المحافظة على حيويتها وإعطائها بعداً بصرياً يملك مشروعية توازي أهمية ما يجب أن يصل ،وقد تمثلت هذه القنوات بالممثلين والديكور والأزياء والتكوين العام للمشاهد والتصوير وإدارة المجاميع ،قاد ذلك كله الرؤية الفنية اللافتة للمخرج باسل الخطيب، اذ شاهدنا ديكوراً يحاكي الدراما في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية أيضاً الخاصة بالشخصيات الثلاث الكبرى، النعمان هانئ ، كسرى، وفق منطق بصري يعتمد على التأويل بقدر ما يتكئ على الواقع .
وقد سيطرت العمارة الترابية الخالية من الزخارف إلى حد كبير ،والأماكن المفتوحة والفضاءات الخلوية لدى العرب بما هم عشائر وممالك ، بينما حضرت الأماكن المغلقة لدى الفرس الأباطرة القاطنين لعمارة حجرية مليئة بالنحت والزخرفة كفنون مدينية، وهو ما تجلى في تصميمات الأزياء أيضاً. أدار المخرج باسل الخطيب ممثليه مستنطقاً أجسادهم وأرواحهم أداء لم نعهدهم فيه، وربما لن نشاهدهم في مثله مع مخرج آخر. فقد استعاد الفنان أسعد فضة مجده كممثل في أداء يشفع له عن عشرة أعمال أخرى ،وهو دور سيبقى عميقاً في ذاكرة الدراما التلفزيونية ،وكذلك كانت نورمان أسعد التي ظهرت بالحد الأدنى من الاستعراضية المتسربة إلى أدائها النظيف من الكوميديا ،وأخيراً انتصر التلفزيون على الفنان غسان مسعود في أداء تخلص فيه من طغيان جستات المسرح، بينما حافظ عارف الطويل ورضوان عقيلي عل حضورهما القوي، في حين شاهدنا وضاح حلوم في أداء مميز سيفتح المجال أمامه واسعاً نحو ادوار بذات العمق التمثيلي بعد أن حجبت عنه لفترة طويلة أما الممثل الأردني زهير النوباني (كسرى)فقد شاهدناه للمرة الأولى في أداء يوازي أهمية الشخصية وخصوصيتها على خلاف الأعمال البدوية التي كان يقوم بها .
باسل الخطيب لم يغمطنا حقنا في مشاهدة صورة تلفزيونية في عمل تاريخي متخففة من ادعاءاتها منحية الاستعراض الإخراجي جانباً لصالح تقديم عمل تلفزيوني يسير بثقة على قائمتي الصورة والدراما وبخطى متوازنة . في النهاية لم يكن لنا أن ننتظر فقط ثلاثين حلقة لنشاهد المعركة الهائلة في نهاية مسلسل ذي قار إنما كان علينا أن ننتظر ثلاثين عملاً لنستمتع بدراما تلفزيونية كهذه توجتها معركة مهيبة وبوزن أهمية الحدث، وربما لن يتاح لنا مشاهدة مثيل له قبل ثلاثين عملاً أو عاماً آخر لا فرق. شكراً باسل الخطيب.

ماهر عزام ( جريدة النور 10- 2 – 2002 )