BACK       عودة



لمحة موجزة حول الأفلام المتعلقة بالقضية الفلسطينية
والتي شاركت في مهرجان لايبزغ السينمائي عام 1988

باسل الخطيب

ضمن العروض الرسمية للمهرجان في إطار المسابقة ، تم عرض فيلمان وثائقيان : ( الانتفاضة ، الطريق إلى الحرية) للإنجليزية جيني مورغان ،و(صيف فلسطيني حار) لناظم شريدي ، وخارج إطار المسابقة عرض فيلم (فلسطين في اللهب ) لمونيكا ماور . أما على هامش العروض الرسمية فلقد عرض الفيلمان الروائيان القصيران (الناطور) لمحمد توفيق ، و(اللعنة) لباسل الخطيب ،
جاءت الأفلام مختلفة وكان هناك تفاوت ملموس في المستوى الفني لكل منها ، بعضها جاء مقنعاً مؤثراً وبعضها الآخر رديئاً ومتعثراُ ، ضمن القالب المسبق الصنع ، المعد سلفاً لإنجاز أية أفلام تتعلق بالقضية الفلسطينية .
قبل أن أتحدث بإيجاز عن هذه الأفلام ، أود أن الفت الانتباه إلى أن الموضوع الفلسطيني كان صاحب الحضور الأول فقد بات يفرض نفسه بقوة لما فيه من الأبعاد الإنسانية والمأساوية . وإذا حدث أن نهض الجمهور بعد انتهاء العرض ليوجه تحية الإعجاب والتقدير فإن تحيته هذه موجهة بالدرجة الأولى إلى الموضوع نفسه ، والأمر الذي يدعو إلى الاعتزاز والفخر أن كلمة الانتفاضة أصبحت تعبيراً عالمياً
(الانتفاضة، الطريق إلى الحرية) مدة الفيلم 22 دقيقة ، وهو يستعرض بشكل ديناميكي لا يخلو من الحقيقة والموضوعية ، أهم الأحداث التاريخية التي وصلت بالقضية الفلسطينية إلى وضعها الراهن و أدت إلى اشتعال الانتفاضة في الأراضي المحتلة . لا يتم استعراض هذه الأحداث بشكل تقليدي عن طريق الأفلام الوثائقية ، ولكن من خلال نصوص موجزة تعنون الأحداث الرئيسية بدءاً من عام 1948 ، حيث لم يكن قبل هذا التاريخ ، وبتعبير الفيلم ، وجود لما يدعى " اسرائيل" . ويتابع الفيلم عرض هذه العناوين بشكل متوازٍ مع مشاهد الانتفاضة حتى يصل إلى هذا الحدث المجيد ليقدم جانباً من نضال ألأهلنا في الأراضي المحتلة ، والأحداث الدامية التي يعيشونها ، ويدفعون حياتهم ثمناً لها .
إن هذه اللقطات التي تسجل أحداث الانتفاضة باتت جزءاً من حياتنا اليومية ، ونحن نتابعها كل يوم سواء عبر شاشة التلفزيون أو عبر الصور الفوتوغرافية في الصحف والمجلات ، وكان اختيار المخرجة لمشاهد الفيلم موفقاً إلى حد كبير كما أن تقديمها لبعض هذه المشاهد من خلال السرعة البطيئة واستعمالها للمؤثرات الصوتية والموسيقا المناسبة كانا سبباً هاماً في خلق انطباع أكثر عمقاً لدى المتفرج . والأسلوب الذي اتبعته ليس بالجديد ، إلا أنها تمكنت من توظيف هذه الوسائل الفنية في المكان المناسب ، ولعل أكثر ما يميز هذا الفيلم هو الإحساس بأن المخرجة كانت تتعامل مع مادتها بكل محبة وإخلاص . وجاء فوز الفيلم بإحدى جوائز المهرجان أمراً طبيعياً وعادلاً .
(صيف فلسطيني حار) مدة الفيلم 56 دقيقة ويستعرض من خلال لقاءات مع أهالي مخيم الدهيشة الأوضاع السيئة التي تسود المخيم ، وكيف أن المؤشرات كلها كانت تتجه نحو الانتفاضة التي لم تأت بشكل عفوي وإنما نتيجة للمآسي والآلام التي يعيشها أهلنا في الوطن المحتل .الفيلم جاء متواضعاً في مستواه الفني ، يقدم محاولة شابة جديدة . ومع الأخذ بعين الاعتبار كل الظروف الصعبة التي يحاول فيها سينمائيو الأرض المحتلة القيام بعمل ما إلا أنهم لا يستفيدون إلى الحد المطلوب من فرصة تواجدهم في المخيمات والمدن الفلسطينية ، مما قد يمكنهم من تصوير جوانب عديدة من حياة شعبنا ، جوانب لا تزال بعيدة عنا ، بل نكاد نجهل الكثير منها .
ليس كافياً أن يدع المخرج الناس يتحدثون عبر الشاشة أحدهم تلو الآخر ، بل إن هذا الأسلوب قد يفقد الكثير من مضمون أحاديثهم التي تهمنا كل كلمة ترد فيها . من الضروري أن يعثر المخرج على الشكل الفني المناسب ، والذي يعتبر جزءاً من مضمون الفيلم نفسه ، هذا الشكل الذي يتمكن المخرج من خلاله من نقل المأساة الإنسانية للشعب الفلسطيني بكل تفاصيلها المؤلمة والوصول إلى أعماق المتفرج .
إن الشكل الفني الذي يقدم السينمائي فيلمه من خلاله ، وعلى الرغم من أصالة المضمون وعمقه بات هو المقياس الأساس لنجاح الفيلم ، والجمهور لم يعد متحمساً لرؤية أفلام تقليدية ، خصوصاً تلك التي تتعلق بالقضية الفلسطينية .
توجد سقطة في الفيلم وذلك عندما يطلق المخرج على المخيم تعبير "غيتوالدهيشة" ويردده في أكثر من موضع . وتعبير غيتو لا ينطبق بأية حال من الاحوال على المخيم وسكانه ،وهو يطلق أساساُ على الأحياء التي تسكنها الأقلية اليهودية في المدن المختلفة من العالم .. وهذا ، كما هو واضح، لا ينطبق على مخيم الدهيشة في الأرض المحتلة ، ولو بشكلٍ مجازي.
(فلسطين في اللهب) مدة الفيلم 31 دقيقة ، يتحدث عن الانتفاضة ويستعرض بشكل تقليدي ، من خلال اللقطات الوثائقية المعروفة ، جزءاً من التاريخ الفلسطيني المعاصر . باختصار فإن الفيلم ، وأنا أتحدث هنا عن الناحية الفنية ، ينتمي إلى تلك الفئة من الأفلام التي يلجأ مخرجوها إلى القوالب الجاهزة للسينما الفلسطينية ، قليل من التاريخ وقليل من الحاضر وتفاؤل بالمستقبل . الفيلم لم يقدم ما هو جديد لا شكلاً ولا مضموناً ، وباستثناء تلك المشاهد التي تصور الانتفاضة فلم يكن هناك شيء يستحق المشاهدة بالفعل . والفيلم في أحد مواضعه لم يكن يخلو من الإساءة ، تلك التي قد تكون غير مقصودة ، إلا أن نتائجها تأتي أسوأ مما لو كانت مقصودة ، فعلى سبيل المثال عندما تستعرض المخرجة أفلاماً وثائقية قديمة تصور المهاجرين اليهود في فلسطين وهم يعملون بحيوية ونشاط وانضباط ، يرتدون الثياب الأوربية الأنيقة ، ويستعملون المعدات الحديثة ، ثم تعرض بعد ذلك مباشرة مجموعة من الفلاحين الفلسطينين بثياب الحقل المتسخة ، وهم يديرون أعمالهم بوسائل بدائية ، فإن هذا الربط سوف يخلق انطباعاً مباشراً ،على الأقل لدى المشاهدين الذين تنقصهم معرفة التاريخ الدقيقة ، وما أكثرهم ، بأن اليهود هم فعلاً من جاء بالازدهار والتقدم إلى هذه البلاد ، وسوف يكون من الصعب محو هذا الانطباع لاحقاً ، والذي يترتب عليه مواقف غير عادلة ، وناتجة عن تشويه معين تجاه أكثر القضايا عدالة .
(فيتو) مدة الفيلم 6 دقائق ، ولقد رفضت إدارة المهرجان إدراجه ضمن العروض الرسمية لأسباب فنية، وربما بالمقدار نفسه، لأسباب سياسية ناتجة عن توجه الفيلم العام .فيلم رسوم متحركة لا يتعدى كونه واحداً من الأفلام التي تحاول اللحاق بالركب وامتطاء صهوة الانتفاضة والقضية الفلسطينية ، فيلم ساذج في فكرته وضعيف في مضمونه .
(الناطور).. ثمة أمر لابد من التوقف عنده ، وهو تقديم أفلام روائية عن الانتفاضة. باعتقادي أن الوقت لم يحن بعد لهذا الموضوع ، أولاً لأن الانتفاضة حدث غير عادي له أبعاده الخاصة ولا يجوز تناوله كأي حدث عابر آخر ، وثانياً : إن إنجاز فيلم روائي عن الانتفاضة يتطلب إمكانيات كافية حتى يكون من الممكن ، على الأقل ، خلق ذلك الجو الساخن والدامي الذي نراه يومياً عبر شاشة التلفزيون . ولقد تم الحكم على الفيلم مسبقاً بالفشل لأنه كان من الواضح تماماً عدم إمكانية خلق جو مماثل (وهو الحد الأدنى المطلوب من فيلم كهذا). في تلك الظروف أنجز المخرج محمد توفيق الفيلم ، لقد وضع أمامه مهمة صعبة ، وعجز عن تحقيقها بشكل مقنع .
الفيلم يخلو من المضمون تماماً ، وإذا كانت قصة أكرم هنية تعتمد بشكل أساسي على العالم الداخلي لهذا الإنسان الفلسطيني ، فإن هذا العالم جاء مطموساً ، وظهرت الشخصية مفرطة في سلبيتها وبرودتها ، غارقة في تأملات طويلة متكررة لم تنته إلى ما هو مقنع في آخر المطاف ، بالإضافة إلى الأداء الرديء للمثلين ، وهو أمر يلام عليه المخرج أولاً وأخيراً .
ما تفتقد إليه السينما الفلسطينية ،على الرغم من مأساوية الموضوع الذي تتناوله وكل أبعاده الإنسانية المؤلمة ، وسواء على صعيد الأفلام الروائية أو الوثائقية ، فإن ما تفتقده هذه السينما بالفعل هو قدر من الخيال الفني ومن الشاعرية الواقعية ، الشاعرية المستمدة من المراقبة الدقيقة والمستمرة لجوانب الحياة الفلسطينية المتنوعة والغنية، والتعبير عن هذه الجوانب بشكل فني صادق يستطيع أن يصل بالقصة إلى أوسع دائرة ممكنة من الرأي العام .