|
عشاق السينما ينصبون خيامهم
باسل الخطيب
30/10/1994
مهرجان
تلورايد السينمائي – الثورة الثقافي
لا وجود لاسم "تليورايد" على خارطة العالم، فهي بلدة أميركية صغيرة تضم
ثلاثة شوارع ومجموعة من البيوت الخشبية الملونة، تحتضنها سلسلة جبال عملاقة،
ويتطلب السفر إليها الوصول أولاً إلى دنفر عاصمة ولاية كولورادو، ومن ثم
الطيران جنوباً إلى مدينة درانجو، ومنها إلى تليورايد بواسطة حافلة تشق
طريقها لثلاث ساعات عبر الريف الأميركي الساحر، وبعدها تتراءى هذه البلدة
بشعارات مهرجانها السينمائي الذي استطاع خلال عمره القصير نسبياً أن يحقق
مكانة خاصة ضمن مهرجانات أميركا الأخرى مثل سان فرانسيسكو ونيويورك وشيكاغو
..
منذ انطلاقته الأولى في أيلول عام 1974، ورغم قلة جمهوره الذي اقتصر آنذاك
على سكان البلدة وبعض المهتمين، كان المهرجان طموحاً وقدم لأول مرة في
أميركا فيلم أندريه تاركوفسكي (سولياريس) . ومع مرور السنوات كبر المهرجان
واستطاع أن يستقطب جمهوراً عريضاً من ولايات أخرى وعدداً كبيراً من نجوم
السينما الأميركية : جاك نيكلسون ، كلينت ايستوود، سيدني بولاك، روبرت
التمان، جودي فوستر، واستطاع أيضاً أن يستأثر باهتمام السينمائيين الأجانب
فاعتبروه محطة لا غنى عنها بين مهرجاني مونتريال ونيويورك..
جرى حفل الافتتاح في الهواء الطلق وسد الشارع الرئيسي في المنطقة المجاورة
لدار الأوبرا، أقدم دار عرض في البلدة ، و أقيمت منطقة محرمة على غير ضيوف
المهرجان، تسيجها حواجز خشبية مغطاة بالأزهار ، وتصدح فيها موسيقا الغرب
الأميركي وتطوف بداخلها مضيفات المهرجان بالنظارات الشمسية الملونة
والشورتات والتشيرتات، يوزعن الهدايا التذكارية وتدعين الجميع لتناول
الطعام والشراب ولمزيد من الضحك والرقص ، يخيم الظلام تدريجياً على
تليورايد التي تبدو بأجوائها تلك وكأنها في عالم آخر، تضاء الفوانيس
القديمة ويتوجه الجميع إلى مناطق أخرى محرمة لا حدود لرحابتها حيث تبدأ
لعبة النور والظلال .
أفلام قديمة وحديثة تابعها جمهور المهرجان ، أفلام تحكي قصصاً عن العنف
والحب ، عن الموت والحياة، النجاح والفشل، اليأس والأمل، الذكريات والأحلام
.. المواضيع الخالدة للسينما ، وقد تضمنت تظاهرة "الأفلام القديمة" مجموعة
أفلام منها (إنهم يطلقون النار على الجياد ، أليس كذلك ؟) لسيدني بولاك، (وحيدون)
لبول فيوس، (الرجل الذي عرف الكثير) لألفريد هتشكوك، (الحياة السهلة) لدينو
ريزي، و (ذات يوم جميل) لأرمانو أوملي .. ولعل رائعة بولاك (إنهم يطلقون
النار على الجياد، أليس كذلك ؟) كان الفيلم الأكثر أهمية في هذه التظاهرة،
فيلم لم يفقد ألقه وراهنيته حتى بعد انقضاء أكثر من 25 عاماً على تحقيقه،
ويعتبر أحد أهم إنجازات هوليوود لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ومن
روائع السينما العالمية. الفيلم مقتبس عن رواية بالعنوان نفسه لهوراس ماكوي
، ويعرض المعاناة الإنسانية الخاصة للفرد الأميركي في مرحلة الكساد
الاقتصادي والضغط الاجتماعي في مطلع الثلاثينات حيث تمتزج المأساة
الإنسانية الذاتية ببؤس المجتمع، هذا البؤس الذي يدفع إلى المزيد من اليأس
وخيبة الأمل، ويرغم في النهاية بطل الفيلم ليطلق رصاصة الرحمة على حبيبته
ويخلصها من مرارة حياة فاشلة ومعذبة .
فيلم آخر ضمن هذه التظاهرة كانت متابعته مثيرة وممتعة، وهو فيلم (وحيدون)
الذي أخرجه بول فيوس عام 1928 وحقق له شهرة عريضة بعد فشل أفلامه السابقة،
والفيلم يتعرض لموضوع العزلة الاجتماعية التي كان يعيشها سكان نيويورك من
خلال قصة حب جمعت بين شاب وفتاة بسيطين وحالمين . المثير في هذه المشاهدة
أن إدارة المهرجان قررت أن تضع الجمهور في أجواء مختلفة فدعت إلى قاعة
العرض فرقة موسيقية مؤلفة من ثلاثة عازفين يعزفون على مجموعة كبيرة من
الآلات المختلفة في وقت واحد . وهكذا تابع الجمهور الفيلم الصامت أساساً
ترافقه موسيقى كتبت خصيصاً له .
من الأفلام الحديثة كان هناك فيلم (العصر الجديد ) للمخرج مايكل توركين،
مؤلف رواية (اللاعب) التي اقتبسها روبرت التمان لفيلم حمل العنوان نفسه
وحصد مجموعة من جوائز الأوسكارقبل عامين . (العصر الجديد) يتحدث عن إخفاق
الطبقة الثرية في مجتمع لوس أنجلوس وعن إفلاسها الأخلاقي ومحاولة بحثها غير
المجدية عن طريق خلاص روحي عبر جماعة دينية غامضة لا تحمل معها في النهاية
سوى مزيد من التعقيد وخيبات الأمل وحيث يتضح أن الموت هو الخلاص الحقيقي .
الفيلم النيوزلندي (كان ثمة محاربون) للمخرج لي تاما هوري كان مفاجأة
المهرجان ، والفيلم يتعرض لموضوع العنف الذي يسود المجتمع النيوزيلندي
نتيجة أسباب عديدة أهمها الإدمان على الكحول والبطالة والشعور بالضياع،
وقصة الفيلم لا تخلو من بعد مجازي ، فأسرة ماوري التي تقع ضحية للعنف
الداخلي والخارجي على حد سواء ، تكون الأم فيها من أصول هندية وأجدادها هم
السكان الأصليون للمنطقة، أما الزوج ،سليل المهاجرين الأوروبين، فهو المسبب
الأول والأخير لكل أحداث الفيلم التي تتعرض لها الأسرة وتؤدي بالنهاية إلى
انتحار الابنة الشابة إثر اغتصابها من قبل صديق لوالدها .. وفي لحظة صفاء
بعد موت ابنتها ودفنها وفق طقوس الأجداد، تقرر الأم أن تعود بأولادها حيث
كان يعيش الأجداد لتبدأ معهم هناك حياة جديدة لكنها أصيلة ..
السينما الصينية لا تزال تثير الدهشة، وفيلم (زوجة الرجل الخشبي) للمخرج
هوانغ يانزين كان تحفة سينمائية حقيقية تحمل رسالة صارخة ضد التقاليد
البالية التي تجثم منذ قرون على حياة الناس في المقاطعات الفقيرة ، وفي
الوقت نفسه، يروي الفيلم قصة عن الحب والوفاء تنمو بصمت وألم وسط ظروف
قاسية، ليتضح في النهاية أن القوة والإرادة وحدهما قادران على اختراق جدار
التقاليد الكابوسي والوصول بقصة الحب تلك إلى خاتمتها الإنسانية المرضية.
الفيلم التسجيلي الروسي (نحن أطفال القرن العشرين) للمخرج فيتالي كاينفسكي
قدم صورة قاتمة لمستقبل روسيا من خلال الوضع المأساوي لأطفال مدينة
ليننغراد، أطفال لم يتجاوزوا العاشرة بعد وقد انخرطوا في عوالم الجريمة
والإدمان، وتزداد نسبتهم في المجتمع على نحو سرطاني لدرجة أن سجون المدينة
باتت مكتظة بهم ووجد المسؤولون أنفسهم عاجزين عن معالجة هذه الظاهرة
الخطيرة ، الفيلم يدين بشكل مباشر التحولات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية التي حدثت في المجتمع الروسي خلال السنوات الست الأخيرة وأدت
إلى خلق عالم مخيف من البطالة والجريمة والإدمان .
تمثل حضور السينما العربية في مهرجان تليورايد بفيلمي التونسية مفيدة
تلاتلي (صمت القصور) والجزائري مرزاق علوش (باب الواد الحومة)، وبقدر ما
كان الفيلم التونسي عميقاً بموضوعه ،غنياً بصوره وأجوائه التي تابعها
الجمهور حتى اللحظة الأخيرة باهتمام شديد، فإن الفيلم الجزائري كان سطحياً
في تناوله لموضوع الأصوليين بأسلوب مباشر وفظ ، لدرجة أن الجمهور غادر
القاعة متسائلاً عن مضمون الفيلم وموقفه وفكرته الأساسية .
من الأفلام الأخرى التي عرضها المهرجان ، (ليدي بيرد) لكين لواش، (صيف لا
ينسى ) للوسيان بنتلي، (الببغاء والغربان) لدوروتا كيدزرز فسكا، (حلم
أريزونا) لأمير كوستاريتزا (العائلة) لمايكل وينتر بوتوم، (فاتيا في الشارع
42) للويس مال .. كذلك حرص المهرجان كعادته كل عام على تظيم عروض خاصة
لأفلام الطلاب الذين يدرسون السينما في معاهد لوس انجلوس ونيويورك وغيرها
..
وقام المهرجان بتكريم الممثلة السويدية المخضرمة هاريت أندرسون والممثلة
الأسترالية جودي ديفر والمخرج التسجيلي الأمريكي كين برنز .
هاريت اندرسون حضرت حفل تكريمها، فأقبلت بأعوامها الستين ، ترتدي بنطالاً
وقميصاً رياضيين، نحيلة مندفعة ومفعمة بالحيوية، وأجابت بعفوية الأطفال عن
الأسئلة التي وجهها إليها الناقد جون سيمون، وتحدثت بإسهاب عن تجربتها
الطويلة والغنية مع انغمار برغمان، الإنسان والأسطورة، واعترفت بفشلها
ولحظات ضعفها، وأسرت للجمهور بأحلامها ورغباتها بأن تستمر بتصوير الأفلام
وأن تصطاد السمك في الشمال .. وقبل عرض فيلم (مونيكا)، أول أفلامها مع
برغمان، والذي حمل لها شهرة عالمية عام 1952، تابع الجمهور مشاهد مختارة من
أفلامها التي أخرجها برغمان، والطريف أن هذه المشاهد لم تعرض وفق تسلسلها
الزمني وإنما بالعكس، فبدأ العرض مع أحدث أفلامها وانتهى بأقدمها وكانت
المشاهد من أفلام فاني والكسندر، صرخات وهمسات، عبر زجاج معتم، ابتسامات
ليلة صيف، والليلة العارية، وأخيراً مونيكا ..طريقة العرض هذه خلقت انطباعاً
بأن هاريت اندرسون سوف تبقى حتى النهاية تماماً كما بدأت في مونيكا، الفتاة
الجميلة المفعمة بالحيوية والمقبلة على الحياة .
تليورايد، البلدة الصغيرة لم تتسع بفنادقها الثلاثة وشققها المفروشة للعدد
الهائل من عشاق السينما الذين حضروا من أقاصي شرق البلاد وغربها لمتابعة
الأفلام ومشاركة البلدة بعيدها السينمائي الحادي والعشرين فاضطر كثير منهم
إلى نصب خيامهم في العراءعلى مشارف البلدة، والطقس في تليورايد متقلب لدرجة
أنه يمكن رؤية الفصول الأربعة فيها بشكل متتابع خلال أقل من خمس دقائق ..
وفي ليلة عاصفة ماطرة ، خرج هؤلاء إثر انتهاء عرض متأخر ليجدوا أن الريح قد
أطاحت بخيامهم .. لكن وفي صباح اليوم التالي كانت الخيام قد نصبت من جديد
..
مع اقتراب عيد ميلادها المائة لا تزال السينما تحتفظ بسحرها، لقد كسبت
صراعها مع الفيديو، واستطاعت أن تسخر كل تعقيدات الكمبيوتر والتكنولوجيا
لخدمة أهداف صناع الفيلم على اختلافهم ، يبقى الخوف الحقيقي على مستقبل
السينما من الإنسان نفسه، هل سيكون راغباً في صنع أفلام سينمائية ؟ هل
سيبقى راغباً في متابعتها ضمن طقوسها الخاصة ؟
ربما كان هؤلاء الناس في تليورايد والذين قطعوا مئات الكيلومترات ونصبوا
خيامهم في العراء وأمضوا ساعات واقفين في الطوابير حتى يحظوا بتذكرة وذكرى
عن فيلم، وتجربة لن تتكرر، ربما كان مؤشراً يدعو للتفاؤل حقاً ..
إن بقاء السينما واستمرارها مرهون بأمر واحد فقط.. حبنا لها .
|