BACK       عودة


ثلاثية أوتار يوسلياني

ترجمة وإعداد : باسل الخطيب

قدم أوتار يوسلياني فيلمه القصير (نيسان) عام 1962 ، وظهر فيلمه الطويل الأول (تساقط الأوراق) عام 1968 . يخطر بالبال هنا أن أفكار أوتار يوسلياني الفنية وشاعرية أفلامه قد نضجتا عبر الطريق من (نيسان) إلى (تساقط الأوراق) .

أصبح اليوم اسمه مشهوراً ، ودخلت تحاليل أفلامه الطويلة الأولى (تساقط الأوراق) ، (كان شحرور مغرد) ، (الأنشودة الرعوية) في كثير من الدراسات الجادة المتعلقة بالسينما المعاصرة ، ونالت التقييم خصائص إبداعه المتمثلة في المواضيع المتعددة الأصوات ، والصدق الإجتماعي ، والمجاز الدقيق . لقد حظيت أفلامه هذه بالاعتراف خارج حدود الإتحاد السوفيتي أيضاً : جائزة جورج سادول لـ (تساقط الأوراق) ، جائزة كوميديا السينما الباريسية لـ(كان شحرور مغرد) ، جائزة الصحافة في مهرجان برلين لـ(الأنشودة الرعوية) . ردود الفعل كانت عديدة ، وكلها تدل على الاهتمام بهذه الأفلام ، بالمواضيع المعاصرة المطروحة فيها وبأشكالها الفنية المعبرة .

لم يدخل أوتار يوسلياني عالم السينما مباشرة . بعد أن أنهى دورات تعليمية في قسم قيادة الفرق الموسيقية ، والتأليف الموسيقي ، والرسم في معهد تبليسي للفنون ، التحق بجامعة موسكو ودرس هناك لمدة ثلاث سنوات في كلية الرياضيات الميكانيكية ، شغف بالرياضيات، ثم قرر فجأة أن يصبح مخرجاً سينمائياً ،وكما اتضح فيما بعد أن الأمر كان مفاجئاً للمحيطين به وليس له نفسه. "كل فن جاد قريب إلى الرياضيات" . هذه العبارة يرددها يوسلياني بشكل دائم . قد تبدو غير مقنعة للكثيرين . عندها ربما من الضروري أن يكون المرء شاهداً على أحد أيام التصوير لديه، فيرى شيئاً غير اعتيادي أبداً – مخطط العمل المرسوم بيد مهندس محترف ، حركة الكاميرا الدقيقة والمحسوبة بالسنتيمتر الواحد ،مواقع التصوير المدروسة بشكل مفصل والرسوم المستفيضة والوضوح للميزانسين . من الممتع أن يتواجد المرء معه أيضاً في استوديو تسجيل الصوت فيراقبه وهو يستمع إلى الأصوات المختلفة ويختار عبارات معينة ويكوّن المعنى الفكري العميق . إن شريحة الصوت لديه ذات طبقات متعددة وهي تتطور مع الصورة في موازنة معقدة .

وعندما يتعرف المرء جيداً على هذا المخبر الإبداعي للمخرج يبدأ بالتساؤل :
"أليست ملغزة ومثيرة للإهتمام فكرته حول تقارب العلوم الدقيقة والفن السينمائي المعاصر ؟" .
في كل الأحوال ثمة أمر واضح تماماً : إن أوتار يوسلياني لم يضع وقتاً في شبابه، إذ تراوحت دراسته واهتماماته بين الرياضيات والرسم والموسيقا . لقد اكتسب الأشياء التي منحته الحرية وساعدته على التحرر من كل القيود ليؤدي رسالته الحقيقية في الحياة . رسالة مخرج سينمائي .

بدأ يوسلياني نشاطه السينمائي بفيلمين قصيرين يميلان في نوعهما الفني إلى الأمثولة ، (نيسان) و(أغنية عن زهرة) . بدايته كانت صعبة اكتنفتها المشاكل ، ففيلم (نيسان) شاهدوه بحيرة في كل المراجع الرسمية ، وتأسفوا على الإمكانيات المادية التي ذهبت هباءً ، وطلبوا من المخرج أن يعيد بناء الفيلم من جديد ، وبشكل سوي أكثر . كان يوسلياني يعرف أنه أخطأ الحساب ، لكنه رفض أن يغير شيئاً في الفيلم ، وكانت النتيجة أن تم رفع الفيلم إلى ظلام الرف حتى عام 1974 .

كذلك كان مصير الفيلم الروائي الوثائقي القصير (أغنية عن زهرة) . منذ البداية كان من المفترض أن يكون الفيلم عن فنان جورجي مبدع في زراعة الأزهار واسمه مامولاشفيلي ، وأثناء العمل انفتحت آفاق جديدة وتخطى المخرج حدود الفكرة الأولى وأصبح الفيلم يميل إلى أمثولة تتحدث عن التعاقب الأبدي في الطبيعة وعن النتيجة المزدوجة لتدخّل الإنسان في قوانينها . هذه الفكرة بدت لبعضهم مثيرة للشك وتم تصنيف الفيلم كريبورتاج عن بستاني ، دون الالتفات إلى مغزاه الحيوي الشامل .في تلك الفترة كان ينتاب يوسلياني إحساس مرهف بنقص الخبرة لديه : "في أفلامي القصيرة الأولى كان المجاز يبدو ساذجاً ، وكان الشكل معرى كالفكرة تماماُ . الأمر واضح لم تكن لديّ الخبرة الكافية آنذاك " .

ومن جديد يتخذ يوسلياني قراراً مفاجئاً لكل من حوله ، يترك السينما ويعمل حداداً في مصنع روستاف للتعدين، ثم بحاراً على سفينة لصيد السمك ، وهكذا ينقضي عامان كاملان . وتجد انطباعاته عن هذين الفيلمين مخرجاً من خلال دفتر ملاحظاته ، والفيلم الوثائقي القصير الذي يخرجه مباشرة بعد ذلك بعنوان (حديد الزهر)، ثم يعود إلى السينما الروائية من جديد ، ويصور (تساقط الأوراق) ، الفيلم الروائي الأول له بعد (نيسان) . جاء الفيلم بشكل طبيعي تماماً ، مثلما يأتي زمن النضوج بعد مرحلة الإزهار .
إن سنوات العمل السابقة لم تنقض عبثاً ، وأصبحت مدرسة حقيقية للحياة .

من أجل أن نفهم كيف تمكن يوسلياني من استيعاب حدود التفكير الفني المتنوع، بما فيه المجازي، وكيف ولدت الصورة القوية في أفلامه ، لا بد من العودة إلى (نيسان) الفيلم الذي حققه وهو لايزال طالباً في معهد السينما . إن الأمر هنا أشبه بالنظر إلى صورة أشعة يمكن من خلالها رؤية الهيكل العظمي لشاعرية المخرج .
هذا الفيلم نهض ضد القيم المزعومة التي تهدد باجتياح الروح الإنسانية ، الضيق وإغواء المكاسب والشبع إلى حدّ التخمة التي تقتل في الإنسان القدرة على التفكير والإحساس . إن هذه الفكرة سوف تعبر من خلال أعماله كلها في المستقبل وتحدد هاجسه الأساسي . (نيسان) هو الأطروحة . المسودة . الاختبار . وفي الوقت نفسه بيان للمستقبل .

في مدينة نائية مجهولة يعيش عاشقان بسلام ، ولا يحتاجان إلى أي شيء في حياتهما إلا للحب والنور في الدار والروح . وذات يوم تحل مجموعة من الناس البشعين مع أكداس حاجياتهم وتغطي البناء النظيف المضيء، ثم يبدأون يفرقعون أقفال الأبواب ومزالجها،يسحقون الزجاج والكريستال، ويلوثون السجاجيد ، يكدسون عليها المزيد والمزيد من الأشياء المكتسبة الجديدة (مكانس كهربائية ، مراوح ، أثاث) ، وبالتدريج يزاحم ضجيج الأشياء المنقولة باستمرار أصوات الحياة الحقيقية ، فتوصد النوافذ بإحكام .. شيئاً فشيئاً ، دون أن يلاحظا، يجد العاشقان نفسيهما منساقين إلى هذه الدائرة . يبدأن باقتناء أشياء مختلفة ، مزهريات ، أغطية ، خزائن ، يتقلص الحب بينهما ، يتشاجران لأتفه الامور . ويضاف إلى صرير الأثاث الذي يتبدل مكانه على الدوام ، هدير مبهم ومعبر لذلك العتاب الشديد المتبادل بينهما. لا يوجد في الفيلم شيء محدد ، لا مكان معروف للأحداث ، لا حوار ، ولا ملامح بيئة معينة . يحاول المخرج أن يكشف باسلوب مجازي عن معنى الاحداث الدائرة ، لكن النتيجة كانت أن نموذج العالم المطروح في الفيلم بدا تنقصه الحياة .

كان يوسيلياني بحاجة إلى القليل من الوقت كي يستوعب خطأه . بعد ذلك لم يغير ،ولو مرة واحدة ، الطبيعة الحقيقية للسينما ، وبات الصدق والأصالة أساس أفلامه التالية .
إن الأبطال في (تساقط الأوراق) ، (كان شحرور مغرد) ، (الأنشودة الرعوية) يعيشون جميعاً في وسط اجتماعي وبيئي محدد . أصبح معروفاً أسلوبهم وأسلوب تفكيرهم . ومع ذلك ففي "فضاء" هذه الأفلام تحلق بشكل دائم ديباجة الحكاية الجورجية التقليدية : "عاش أم لم يعش ؟ "كان أم لم يكن" فعبارة التأكيد "كان ياما كان" غير موجودة . إن الشرطية تترك هنا المجال للتفكير ثانية وللسخرية الخفية من الأحداث ، ويوضح يوسلياني انجذابه إلى هذه النبرة بالذات قائلاً :
" أكثر ما أخشاه في الفن هو الكذب ، وكم يصعب العثور على تلك الدرجة من الصدق والصراحة والجرأة، فهذه العوامل هي التي تقرب فكرة الفنان إلى تجسيدها ، دون أي تملق أو نفاق في العلاقة مع المتفرج . إن الفكرة التي تقال بصوت عال تفقد الكثير من ذاتها، فهي تجتاز بشكل غير واع مجموعة من الحواجز النفسية المستمرة بحيث يتغير تدفقها الحر . لذلك أحاول في أفلامي أن أتجنب النبرة التي تؤكد على حقيقة ما يجري . من الأفضل أن يتسم الإنسان دائماً بروح المرح فيهزأ من نفسه ويسخر من الأحداث ... "

مثل هذه العلاقة مع المادة الفنية تتطلب الدقة والتحفظ والإنتباه فيما يتعلق بالاستنتاجات . لقد اعتدنا على التفكير بأن المجاز يعتمد على البناء المتباين للقصة ، ويوسلياني قدم تصوراً جديداً . فإذا كان الصراع في (تساقط الأوراق) ما يزال له تعبير قصصي محدد ، فإنه في الأفلام التالية (كان شحرور مغرد) و (الأنشودة الرعوية) يتراجع إلى المرتبة الثانية تاركاً وظيفته للبناء الأسلوبي المستقل حيث تخلق الألوان والتفاصيل الدقيقة موازنة مميزة . إن المهمة الخاصة تكمن في قراءة رموز هذه الموازنة وتوتر الصراع داخلها دون أن يكون له تعبير قصصي مباشر .

في (تساقط الأوراق) يحدث كل شيء بشكل تدريجي . يجري سرد متمهل عن بعض أيام الأسبوع التي تبدو وكأنها التقطت صدفة من سيل الحياة المتدفق ، وتقوم الكاميرا بكشف تفاصيل الحياة اليومية ، وسلوك الأبطال . تدور أحداث الفيلم حول معمل نبيذ يجب أن ينفذ خطته السنوية ويسوّق إنتاجه للحكومة رغم أن النبيذ لم يتخمر بعد بالشكل المطلوب . إن هذا التلاعب المعتاد عليه لا يثير مشاعر أحد من العاملين إلى أن يظهر فجأة في وجه مدير المعمل مهندس شاب مبتدئ اسمه نيكو ، ويقرر مع مجموعة من رفاقه أن يسكبوا مادة هلامية في براميل النبيذ فيعطلوا بذلك عملية التسليم إن دراما القصة تبدو تقليدية للغاية ، صراع عادي في المعمل . هذا ما يبدو للوهلة الأولى ولكن جوهر النبرات ذات المعنى لا يقع على الخط القصصي هذا . إن نيكو لا يمثل أي بطل حسب المفهوم التقليدي ، فهو هياب ، محتشم ، غير وسيم ، ثقيل الظل ، فاشل في الحب ، عديم الخبرة ، وفوضوي في الأمور الحياتية ، حتى أن الحصول على فنجان قهوة يمثل مشكلة بالنسبة له . كل من حوله يسعى للحصول على ما يريد من المشتريات دون الوقوف في الطابور الطويل ، أما هو فإنه يفسح المجال للآخرين حتى يأخذوا دوره . ويقوم ذات مرة بمنع اللصوص من التسلل إلى بيت جارته مانانا .. إنه يفعل كل هذا وهو مقتنع بحتمية تصرفاته . أما مدير المعمل واسمه أوتار ، فهو أخصائي شاب ونقيض نيكو تماماً . عملي ، جرئ ، وسيم، قادر على التكيف مع تطورات الزمن السريعة ولا يشعر بأي كلفة أو حساسية أثناء تعامله مع رؤسائه ومرؤوسيه ... والفتيات .

من ينتصر في هذا التضاد ؟ اللا أخلاقية العملية أم الأخلاقية الحساسة ؟ بالرجوع إلى القصة فإن النصر حليف نيكو دون شك . تسود الأحلاق ، ولكن هل هذه النتيجة طبيعية أم أنها مجرد حالة استثنائية ؟ إن النقطة الواحدة في نهاية الفيلم تتحول إلى ثلاث نقاط ، إلى نهاية مفتوحة نرى فيها أبطال الفيلم والمشاركين في الدراما ، مانانا ، أوتار ونيكو ، يركبون زورقاً في نزهة خارج المدينة ويصطادون السمك . هذا المشهد الذي يشير إلى نوع من الحياة الرغيدة المسالمة إنما يبعث في النفس مشاعر القلق والتوجس وعدم التأكد من نتيجة الصراع النهائية . نهاية سعيدة تقليدية لفيلم ينظر إليها كبديل مميز يعكس الواقع بشكل دقيق . إن النزعة العملية والفراغ الروحي يمثلان الشر الكامن والصعب تمييزه في أغلب الأحيان ، لذلك فهو خطير جداً على البنية الأخلاقية للمجتمع . إن الصراع في القصة يعطي تشخيصاً لهذا الشر .
إن المخرج يكوّن البناء القصصي للفيلم ومن ثم يزعزعه من الداخل ويعرض بطلانه .

ثمة خصوصية متوالية في البناء الدرامي لأفلام يوسلياني تكمن في محدودية وظيفة النص والحوار. فالحالة النفسية للأبطال لا يتم التعبير عنها من خلال الكلمات التي ينطقون بها . إن الكلمات المتسرعة ذات الطابع المباشر وغير الحذر تعكس فقط الجانب الخارجي للأحداث ، وخاصية الحوار هي جزء من بناء يوسلياني المتميز . هذا البناء الذي قد يبدو غير منظم ، سريع التبدل كما هو في (كان شحرور مغرد) أو متمهل ومتزعزع كما في (الأنشودة الرعوية) . في كلتا الحالتين فإن يوسلياني يبني الهيكل المعقد في أفلامه بشكل مدروس وفي توافق دقيق مع أفكاره ومعانيها بحيث يساعد المتفرج على الإقتراب وفهم طبيعة الصلات التي تنشأ بين الأبطال .

في (كان شحرور مغرد) لا يوجد أي تلاعب أو ما شابه ، وإنما الحركة المستمرة وغير العقلانية للبطل الرئيسي ، قارع الطبل في الأوركسترا ، غيا أغلاذه، إنه يلهث ، يطير عبر مدخل العاملين في دار الأوبرا كي يصل إلى مكانه وراء الطبل في الوقت المناسب. تعزف الأوركسترا، تصدح الجوقة، ومكان عازف الطبل فارغ . المايسترو مضطرب تماماً ، وقبل أن يدخل ، يصلح غيا وضع ربطة العنق ويندفع إلى خشبة المسرح ويؤدي مع الأوركسترا إيقاع الطبل النهائي في السيمفونية .
في يوم واحد تمكن غيا من أن يرافق جاره المريض إلى الطبيب ، ويحضر لأحد معارفه اسطوانة كان قد وعده بها ، ويصطحب للنزهة بعض الضيوف ممن جاءوا ليمضوا بعض الوقت في بيته بناءً على توصية من أحد أصدقائه ، ثم يسرع للقاء صديق آخر يعمل ساعياً ، ويزور فتاة في مكان عملها ويحدد موعداً مع فتاة ثانية يتعرف إليها في الشارع . يخصص وقتاً للوقائع التي تحدث في الشوارع فيراقب المدينة عبر تلسكوب خاص للأطفال ويسترق النظر عبر عدسة كاميرا سينمائية أثناء تصوير أحد الأفلام ... إن مجالات النشاط الإنساني المختلفة تبدو موجودة في صندوق العجائب الخاص بحياة غيا . دار الأوبرا ، غرفة العمليات في المستشفى ، محل الساعاتي ، موقع تصوير ، مخبر كيميائي ..

القراءة الأولى للفيلم توحي بأن سرد في حياة إنسان لا يستطيع بسبب معاشرته الكثيرة للناس وفضوله في الحياة ، أن يركز على رسالته الخاصة : الإبداع الموسيقي . وهذا ما نشعر به من خلال نظرات أمه العجوز ، وما تدل عليه أوراق النوتات المتراكمة في غرفته دون أن يكون قادراً على إنجازها . إن غيا مرتبط على الدوام بضوضاء حيوات الآخرين ، تلك الحيوات التي كان باستطاعته ألا يدخل إليها ، والمواقف التي كان بإمكانه ألا يشارك فيها . ما هذا؟ بهرج باطل ؟ وجود متغافل في كل مكان ، بذخ طائش على حساب حياته ومصيره ؟

وتمتزج "اللقطات الكبيرة" للوجوه مع التفاصيل المتنوعة . وجه الأم العجوز المرهق يظهر أمام غيا من خلال تلسكوب للأطفال ، ضحكة العمة أليسو البشوشة ، زائر المطعم الوحيد يعزف على البيانو .. هذه التفاصيل مع المزيد منها تكشف حساسية غيا المفرطة . وخلف التفاصيل اليومية لصندوق عجائبه ، ينمو حب غيا تجاه كل ما هو أرضي ، ومن دون التمييز بين ما هو "هام" ، و"غير هام" ، أوضروري" و "غير ضروري" . إن هذا الفصل بالنسبة له يقود إلى تناقض مأساوي متشابك . وبالتدريج يتراكم في الفيلم الإحساس بالخوف على كل ما هو حميم وضعيف ، وعلى كل ما يحتاجه الناس من روعة الإنسانية التي يجرفها بشكل دائم "ضيق الوقت" اليومي ، وإيقاع العصر القاسي والمدوي . إن التذكير بالقيمة الزاهدة لمحبة غيا للآخرين يقترن في الفيلم مع لحن غير مكتمل يصدح بقوة في النهاية : موضوع إبداع غيا الذي لم يتحقق .

في (تساقط الأوراق) و(كان شحرور مغرد) يختار يوسلياني مجالاً للبحث ، الوسط القريب منه والمتمثل بطبقة المثقفين الجورجيين . إن دقته المتناهية في إعداد العمق الثاني للقطة، تساعد على إغناء نطاق الأحداث بمعان مختلفة ، وإبراز فكرته الهامة بشكل أفضل : خزانة قديمة مزخرفة ، صور للأجداد على الحائط ، وجبات الإفطار العائلية في (تساقط الأوراق) ، عيد ميلاد العمة أليسو ، وجوه العجائز المرهقة ذات التجاعيد ، والطيبة إلى أقصى الحدود والتي ترفض أن تكدرها الهواجس المظلمة في (كان شحرور مغرد) . كل هذا وأكثر يشرع أمام المتفرج المخزون الرائع للعلاقات الحياتية العميقة .

يقول المثل الروسي : "التفاحة لا تسقط بعيداً عن شجرة التفاح" ، والمثل الجورجي : "اعرف من هو الأب ! اعرف من هي الأم ! تعرف من هو الابن" إن أوتار يوسلياني يحاول في كل مرة أن يعرض "شجرة التفاح" هذه العائلة ، نظامها وتقاليدها .
تجري أحداث الأفلام في أيامنا ، ولكنها تتعمق في الزمن وتشير إلى الماضي وإلى تقاليد العائلة الثقافية والأخلاقية وإلى تقاليد جورجيا بأسرها . وهذه النظرة التاريخية تجد تعبيراً واضحاً في مقدمة وخاتمة (تساقط الأوراق) حيث نرى معبد جفاري وعملية جمع العنب وعصير النبيذ . إن هذه العملية بالذات تضم القصة المعاصرة المروية في الفيلم إلى دوران الحياة الأبدي . ومن منظور آخر نقرأ الفكرة نفسها في (كان شحرور مغرد) ، فأثناء الحفل الموسيقي العائلي والتقليدي عند العمة أليسو ، يتجلى التقارب الروحي بين أناس ينتمون إلى أجيال مختلفة . ويوضح يوسلياني هذه النقطة في أفلامه قائلاً : "اليوم الحاضر لا يمكن أن يوجد من دون الأمس، إن التقاليد العائلية والشعبية هي تعبير عن العلاقة مع الماضي ، ومن دونها لا يكون الحاضر واقعياً . إن الإحساس بالزمن الممتد ينتابني دائماً . على سبيل المثال ، سمعت الكثير عن والد جدي، كان إنساناً مرحاً ، محباً للحياة ومثيراً للإهتمام ، وأنا أفكر به كثيراً وأتصوره بشكل حيوي في كل المواقف اليومية لدرجة أنه بات يعيش في أعماقي ، وأحياناً أفكر كم هو رائع أن أجلس معه وأسأله عن شيء ما ، أو أحد ما ... في مهرجان "كان" عام 1974 وبعد أن عرض فيلمي (كان شحرور مغرد) في أسبوع المخرجين ، اقترب مني رينيه كلير ، قبلني وهنأني . شعرت بالفرح والدهشة لأن فيلمي كان قريباً إليه ومسه من الداخل . لقد كان رينيه كلير آنذاك في الثامنة والثمانين من عمره وكان كل منا يعيش عملياً في حقبة تاريخية مختلفة " .
في تأمله المتبصر بالحياة كان يوسلياني يعود دائماً إلى الفكرة التي تؤكد على قوة الإنسان – هذه القوة التي شيدت القلاع عل قمم جبال يصعب تسلقها – وعلى إدراك الإنسان لذاته رغم كل التجارب والمعاناة الرهيبة التي خلفتها الحروب والإجتياحات .

إن معبد جفاري الهائل وحارات تبليسي القديمة والضيقة ، بكل نضجها وألفتها ، حيث لا يمكن للمرء أن يعبر دون أن يتطلع في أعين الآخرين ويلقي عليهم التحية ، يتجمعان في خلفية معبرة وحية تذكر المتفرج دائماً بالقيم الشعبية الأصيلة ، وتثير لديه الإحساس بالخطر والجزع والحب . إن هذه الفكرة هي مفتاح لتفسير دوافع يوسلياني الإبداعية ، والنابض الخفي لهواجسه . في (نيسان) يتم التعبير عنها بصراحة ورمزية مكشوفة ، أما في (الأنشودة الرعوية) فهي تكمن داخل سبائك فكرية أكثر تعقيداً، حيث تتحرك فكرة المؤلف من مشهد لآخر ، وتحاول الكشف عن الصلات الحياتية الناشئة في وسط بيئة من الفلاحين والمثقفين . ويرصد يوسلياني كمحلل جاد ، هذين المجالين ، كل على حدى وفي علاقتهما مع بعضهما البعض . يحاول أن يكون موضوعياً فلا يقيّم ولا يكتفي بالعرض فقط ، ولكنه إذ يمس العصب العاري للحياة الروحية المعاصرة ، يشرّع أمام المتفرج ملامح عالم كبير ومتناقض . إن التحليل الفني الذي يقدمه يوسلياني لعلاقة الإنسان المعاصر مع العالم يلغي أي وجود للصراع التقليدي ، فالعلاقة ذاتها تتضمن صراعاً متأصلاً في طبيعتها ، وهو صراع لا يحتاج إلى خطوات درامية تقود المتفرج إلى استنتاجات معينة . إن الحياة الرغيدة ليست مجالاً لإبداع يوسلياني ، ورغم كل التعقيد في مشاكل وصور هذا الفيلم ، إلا أنه يبقى بسيطاً جداً من ناحية الشكل الفني والطرح الفكري .

وكما في (تساقط الأوراق) كذلك في (الأنشودة الرعوية)، توجد مقدمة وخاتمة تمثلان بالنسبة ليوسلياني مفهوم دوران الحياة وتعاقبها . يبدأ الفيلم في مكتب مدير مهم لإحدى مؤسسات العاصمة ، وينتهي في منزله ، إلى حيث يتم إحضار الفواكه والهدايا من القرية التي جرت فيها الأحداث . إن هذين المشهدين الصغيرين ، وكما يبدو للوهلة الأولى غير حيويين بالنسبة لبناء الفيلم ، إنما يؤكدان على الشكل الفني للفيلم – الأمثولة – والذي يميل من خلال إعادة بناء وسط واقعي معين إلى تعميم رفيع . في ( الأنشودة الرعوية) يضيف يوسلياني زاوية رؤيته فكأنه ينظر عبر تلسكوب عرفناه في فيلم سابق ويرى شيئاً قد يبدو عادياً جداً . عائلة ريفية ومجموعة من طلاب الموسيقى ، ليست هناك أية أحداث مهمة تجري، يبني فلاحون ميسورون داراً جديدة، يستضيفون أحد أقاربهم في المدينة ، يتشاجرون مع الجيران ،ثم يتصالحون ، يؤدي طلاب الموسيقى تمارينهم ، يتنزهون في الغابة ، يقضون الأيام الماطرة باللعب والحديث مع إيدوكي، ابنة صاحب الدار، وفي النهاية يرحلون .هذا يبدو كل شيء ، مع تحفظ واحد بالطبع، هنا ، كما في كل أفلام يوسلياني ، يتم تقييم الأمور من خلال نظام العلاقات المتنوعة التي تنشأ بين الإنسان والبيئة ، وفي السلسة الدائمة للألوان والنبرات الطازجة . في الفيلم يحافظ يوسلياني على مبدأه فيما يتعلق بالممثلين ، فيختارهم وفقاً للحالة النفسية الداخلية لديهم . أدوار الموسيقيين يؤديها طلاب معهد الموسيقى . كل أعضاء الأسرة الريفية ، باستثناء إيدوكي ، يؤدون في الفيلم أعمالهم اليومية المعتادة ، لهذا فإن دورهم التمثيلي غير ملحوظ أبداً حتى أن المحترف يكاد لا ينتبه إلى الفروق الطفيفة . ويجد يوسلياني صعوبة في توضيح أسلوب عمله مع هؤلاء الناس غير الممثلين : "في الفن لا يفعل الإنسان كل شيء بشكل واعِ . ينبئني حدسي بأنه من أجل الوصول إلى أقرب تجسيد ممكن للفكرة ، فإنني بحاجة إلى أناس لا يكون "التمثيل" مهنة بالنسبة لهم وإنما إظهار للإمكانيات الفنية والصفات الشخصية الكامنة في أعماقهم . أنا أساعدهم فقط في العثور على مخرج يعبرون من خلاله عن هذه الإمكانيات ، ولا أستطيع أن أحدد كيف يمكنني ذلك. كان باستطاعتي أن أتفاخر وأندس في ثوب سحري وأعلن بأن هذا سر المهنة الخاص . ولكن للحقيقة لا يوجد أي سر مهنة هنا – إذا لم ننظر بالطبع إلى الحدس كسر – الحدس ينبئني كيف يجب أن أتصرف في كل حالة مستقلة مع هؤلاء غير المحترفين، كيف أشرح لهم المهمة المطلوبة وأدفع بهم إلى الطريق السليم ، فأهدئم تارة، ثم أستخرج كل ما في أعماقهم من انفعال تارةً أخرى . كل مرة أفعل هذا بشكل مختلف ، لذا لا يمكن أن تكون هنا أية وصفات مسبقة" . والنتيجة : الإقتراب الأعظم من تجسيد الفكرة ، من الحالة الطبيعية ومن سلوك الناس الذين يدور الحديث حولهم .

الصباح في القرية .. طلاب الموسيقى الذين وصلوا لتمضية إجازتهم لا يزالون نائمين ، تلاحق الفلاحات الأبقار الشاردة ، تطعمن الطيور ، تتناولن طعام الإفطار أثناء سيرهن وتقمن بمجموعة من الأعمال المفيدة . كل حركة من حركاتهن لها وظيفة معينة ولا شيء يذهب عبثاً . يقوم أحد العجائز بطمر مجرى الساقية محولاً بذلك الماء إلى بستانه دون أن يراوده أي إحساس بالقلق تجاه جيرانه . يصل شخص مهم من المدينة فيتم إعداد عشاء فاخر وسرعان ما يمتلئ صندوق سيارته بشتى الهدايا ..
يرسم يوسلياني هذه التفاصيل الريفية بهدوء ودماثة . كذلك يتطلع في أعماق طلاب الموسيقى الذين وجدوا أنفسهم في وسط غير مألوف بالنسبة لهم ، وهم يواجهون صعوبة في التعامل مع الناس المحيطين بهم ، والسبب هنا ليس في أن الفلاحين يتحدثون بلهجة خاصة يصعب فهمها ، وإنما في عدم رغبة الناس الذين نشأوا في أوساط مختلفة ، بالولوج إلى جوهر العلاقات الحياتية المشرعة أمامهم ، وخمولهم هذا يؤدي إلى شخصيات سطحية ذات أفق محدود . إن العصب الحقيقي في أفلام يوسلياني يمر من خلال مواقف حياتية صادقة يتم النظر إليها من زاوية جديدة حيث يندمج السرد مع عالم الأمثولة – المجال الشعري المفضل لدى يوسلياني – وتضيء المعاني المجازية فجأة كل التفاصيل .

إن هذا العرق ينبض أثناء مشهد قصير في الفيلم يدعى (العبور) ..تتوقف عند الحاجز سيارة شحن تنقل الفلاحين المتوجهين إلى الحقول ، ويتوقف لبضعة ثوان عند الحاجز نفسه القطار أيضاً . يتحدث المسافرون من وراء شبابيك العربات وينظرون ببرود وعدم اكتراث إلى الطريق ، وينظر إليهم الفلاحون المستندون إلى معاولهم وفؤوسهم في الشاحنة المكتظة ، يبدأ المطر بالهطول وسرعان ما يفرق بينهم حاجز كثيف من الأمطار الغزيرة ، وتصدح موسيقى "دون جوان" لموتسارت لتؤكد أكثر على إحساس الناس بالتباعد والذي يتجلى في هذا المشهد عبر تشكيل مدهش . هكذا ينتهي واحد من أهم مشاهد الفيلم إلى حيث تمتد العديد من الخيوط التي تحمل فكرة مؤرقة بالنسبة ليوسلياني، وتتمثل في الألفة الخارجية بين الناس وعزلتهم الداخلية . في هذا الفيلم نسمع اللحن الذي يربط الأفلام الثلاثة في ثلاثية واحدة . ففي الصفات الروحية لإيدوكي، هذه الفتاة – الطفلة، ذات الطبع الصريح المتعاطف، نتعرف على محبة غيا أغلادزة للغير، وهو الذي اختار حب الناس معنى لحياته . يرسم يوسلياني صورة إيدوكي دون أية رومانسية مفتعلة، يعبر خلالها عما هو إنساني وطيب وأصيل يستحق أن نقلق من أجله . كذلك يتابع في (الأنشودة الرعوية) العمل على بعض الأفكار الفنية المطروحة في (تساقط الأوراق) مؤكداً على القيم السامية في الحياة ومن جديد يرفع صوته ضد اللاروحية وواحدة من أشد أشكالها خطورة : النزعة العملية .
بعد (الأنشودة الرعوية) أثار يوسلياني حيرة النقاد الذين كانوا يعتبرونه دائماً فناناً "مدنياً" ،ثم اقتنعوا بعد فيلمه هذا بأنه قادراً تماماً على التعامل مع أية مادة تحمل في داخلها تفاصيل وملامح الزمن . إن موهبة يوسلياني تتجلى بشكل خاص في قدرته النادرة على التقاط هذه الملامح وتكثيفها وعرضها ، بغض النظر عن أية شريحة إنسانية تتضمنها .
ويبقى للزمن الحكم الأخير فيما يتعلق بمصير العمل الفني . إن الزمن الذي يلفظ العمل المذنب تجاه حقيقة الحياة قد أثبت أن ( تساقط الأوراق) واح من أهم أعمال السينما الجورجية . إن طريق أوتار يوسلياني في السينما أصيل وقائم بذاته.. بالطبع ، ليس هذا هو الطريق الوحيد كي يعبر الفنان من خلاله عن أفكاره وقيمه . ربما قد يبقى قسم من الجمهور يشعر باللامبالاة تجاه الجمالية المتميزةلأفلامه ، لكن ثمة أمر واضح تماماً ، وهو أنه بدون أفلام أوتار يوسلياني فإن صورة السينما الجورجية ستبدو فقيرة إلى حد كبير ، وبفضل هذه الأفلام فإن التقاليد الشعبية والثقافية لجورجيا سوف تبقى حية ومستمرة

* * *

المراجع :
- كتاب بانوراما السينما – 3/عام 1981
- د. يورينيف : كتاب الأفلام .