|
تشاو .. فيدريكو فيلليني
باسل الخطيب
6/11/1993
جريدة الثورة
أعياد الميلاد ستكون حزينة في إيطاليا هذا العام ..
رحل المايسترو ..
مات فيلليني ..
لن يعاود الظهور في شوارع روما ليرد التحية على كل من يحييه منادياً: "تشاو
فيدريكو .. تشاو مايسترو .."
لن يتوقف بعد الآن أمام المغنين الشباب الذين ينشدون أغانيهم فوق الأرصفة
فيستمع إليهم وينصحهم ..
ولن يجد السينمائيون والإيطاليون الشباب من يشجعهم ويأخذ بأيديهم كما كان
يفعل المايسترو وهو أحد أهم الرواد الذين كانوا يتطلعون إليه من أجل
استجماع قوة جديدة لإخراج السينما الإيطالية من محنتها ..
لن يدخل فيلليني مقهاه المعتاد ليحتسي فنجان قهوة مع البسطاء من أهالي روما
..
ولن نشاهد فيلماً جديداً لفيلليني بعد اليوم، لكننا سنجد العزاء في أفلامه
السابقة (أبناء الأم) (الطريق) ( ليالي كابريا) (الحياة حلوة) (2/8,1) (روما)
(ساتيركون) (أماركورد) (المهرجون) (كازانوفا) (بروفة الأوركسترا) (أبحرت
السفينة) (المقابلة) وغيرها .. إن كلاً من هذه الأفلام يمثل ظاهرة وطنية في
إيطاليا وحدثاً بالغ الأهمية في السينما العالمية التي كان مشهدها العام
سيبدو أقل تألقاً وغنى من دونها .
"لو لم أقابل فيلليني لكانت الحياة مملة وفقيرة" قال نينو روتا، صديق
فيلليني والمؤلف الموسيقي الذي عمل معه في معظم أفلامه .
إبداع فيلليني نادر لا يتكرر يدل على فهم عميق للحياة . كان همه الأساسي
العثور على طريق خاص به، وأن يتحدث في الوقت نفسه عن إيطاليا وأناسها، وقد
قال في مقابلة أجرتها معه (مجلة عالم السينما) عام 1964: " أن يولد شخص في
إيطاليا فهذا يعني أن يكون كاثوليكياً ، أي أن يعيش ويتواجد في وضع قائم
وواقع قبل ولادته بزمن طويل ، ولهذا السبب فإنه يتوجب على كل واحد أن يبحث
عن طريقه ويحدد وجهة نظر خاصة به من أجل أن يوضح لنفسه فيما إذا كان
كاثوليكياً حقاً أم لا ؟" .
كان فيلليني ، مثل إي فنان حقيقي كبير ،شاعراً أولاً . خلق عوالمه الشاعرية
الخاصة ليعبر من خلالها عن علاقته بالحياة ورأيه بالواقع ، كان طريقه في
السينما طريق شاعر يكمن سر إبداعه في التآلف الطبيعي، غير المتكلف، بين ما
هو ذاتي وبين معطيات العالم الموضوعية، تآلف يجمع بين صورة لعالم الإنسان
البسيط بكل جاذبيته وحساسيته وبين إحساس شاعريّ رقيق بالواقع المعقد ، هذا
الإبداع الذي حمل في طياته شحنة أمل وإيماناً بالمستقبل القادم وأكد على
الإحساس برحابة الآفاق أمام الإنسان حتى ولو كان الحديث يدور عن أكثر أزمات
المجتمع الروحية صعوبةً وقتامة، كما في أفلام (ليالي كابيريا) و (الحياة
حلوة) و(2/8,1) و(بروفة الأوركسترا) .. في ليالي كابيريا نرى المجتمع من
وجهة نظر عاهرة تحلم بأن تبدأ حياة جديدة ومشرفة، لكنها تصبح ضحية الجميع
إلى أن يغرر بها أحدهم في نهاية الفيلم فتصيح به مستنجدةً كي يقتلها
ويخلصها من عذابها، ثم تمضي الليلة وهي تسير في غابة كبيرة ومع إشراقة
الفجر تصادف فرقة موسيقية تعزف ألحانها في الغابة، ويلقي عليها أحد
العازفين تحية الصباح، فتدمع عيناها وتبتسم وينتهي الفيلم، لتبقى هذه
الابتسامة التي رسمتها الممثلة جوليتا مازيني، زوجة فيلليني، الابتسامة
الأكثر شهرة في تاريخ السينما .
وفي (2/8,1) أحد أهم أفلامه، استطاع فيلليني أن يعبر بعمق عن مشكلة الإبداع
وعن شخصية الفنان المبدع وحالته الروحية من خلال قصة مخرج سينمائي يعيش
أزمة روحية صعبة ، ويعاني من الحيرة والضعف أثناء بحثه عن موضوعه الخاص،
وكان فيلليني في هذا الفيلم يحكي بشكل وجداني عن نفسه، وعن شغفه الروحي
الخاص وأزماته الشخصية التي لا تضيّق حدود الفيلم بل ترتقي بقيمه العامة
عالياً جداً .
وفي (بروفة الاوركسترا) لا يجد عازفو الفرقة السيمفونية مكاناً لإجراء
تدريباتهم إلا في كنيسة مهجورة، فيجتمعون في صالتها الكبيرة، وهم يمثلون
أناساً مختلفي الطبائع والانتماءات التي تعكس حالة شرائح متنوعة في المجتمع
الإيطالي وطوال الفيلم يعجزون بسبب خلافاتهم الشخصية والعامة على التوحد في
إرادة مشتركة لعزف الموسيقا المطلوبة بالشكل الصحيح حتى تحل النهاية عندما
تهتز الكنيسة إثر ضربات عنيفة وينهار أحد جدرانها وتظهر خلفه كرة فولاذية
ضخمة تدك الكنيسة وتقوضها .. في تلك اللحظة فقط وفي مواجهة خطر الدمار
والفوضى القادمين ، يقف أعضاء الفرقة وسط الأتربة والغبار ويعزفون لحنهم
الواحد .
ربما يبدو فيلليني، وهو صاحب الاسم الأكثر شهرة في عالم السينما، إنساناً
واسع الثراء، لكنه لم يكن كذلك أبداً فقد عاش حياةً بسيطة ومتواضعة، وكان
بإمكانه أن يؤسس ثروات خرافية لو قبل العمل مع شركات الإنتاج التجارية في
إيطاليا وأمريكا، لكنه لم يفعل ذلك، وقرر أن يدفع بنفسه ثمن حرية إبداعه
وإمكانية تحقيق ما كان يعتقده هاماً وضرورياً .
وعندما كرمته أكاديمية السينما الأميركية في مطلع عام 1993 أثناء حفل توزيع
جوائز الأوسكار، ظهر فيلليني على منصة المسرح فوقف جميع الحضور احتراماً
وصفقوا له طويلاً .في تلك اللحظات بدا عملاق السينما وساحرها رجلاً عجوزاً،
متردداً ومرتبكاً، تحدث بصوت رقيق وقال إنه لا يستحق التكريم الآن ولكن
ربما بعد عشرين عاماً، ثم أضاف بروح الدعابة المعهودة لديه : "على العموم
ربما أستحق هذا التكريم الآن" ، دون أن يدري أنه سيموت بعد أشهرٍ قليلة .
بتلك الدعابة أكد فيلليني على فكرة كان يرددها منذ بداياته وظل متمسكاً بها
وهي أن المخرج يشبه المهرج إلى حد كبير، وقد بدا هو نفسه أثناء حفل التكريم
أشبه بمهرج، حزين هذه المرة، تبدو عليه ملامح المهرجين الحزانى الذين ظهروا
في أفلامه (الطريق) (الحياة حلوة) (2/8,1) (المهرجون) وغيرها .. وبهذا ربما
يدافع عن موقفه الفني ونظامه الجمالي في السينما .
مات فيلليني .. المبدع الكبير، الإنسان اللطيف البسيط، قليل الكلام، الفنان
الذي لم يلهث وراء الأضواء والشهرة وبقيت النزاهة تحكم علاقاته مع الجميع،
الأصدقاء والغرباء على حد سواء .
أثناء حفل الأوسكار، كانت زوجته ورفيقة حياته، جوليتا مازيني، تبكي بصمت في
القاعة المكتظة، فتأثر هو لذلك وخاطبها أمام الملايين من متابعي الحفل
قائلاً :
"جوليتا أرجوك لا تبكي" .
أما جوليتا فمسحت دموعها وأضاءت وجهها بابتسامة صادقة ومؤثرة، تماماً مثل
تلك الإبتسامة الشهيرة التي أنهت بها فيلم (ليالي كابيريا) قبل ستة وثلاثين
عاماً ..
وهذا ما كان يريده فيلليني ويحلم به دائماً :
الابتسامة الإنسانية الرائعة ..
|