|
اندريه تاركوفسكي
باسل الخطيب
في نهاية عام 1986 كنت ما أزال أدرس الإخراج السينمائي في معهد السينما
بموسكو ، عندما تلقيت دعوة مع مجموعة من الطلاب الأجانب الذين يدرسون في
المعهد نفسه، للسفر الى ليننغراد وعرض أفلامنا القصيرة في كل من دار
الصداقة واستوديو لينفيلم .
في ليننغراد قدمت فيلما روائيا قصيرا بعنوان (أمينة )، والفيلم يروي مأساة
عجوز فلسطينية شهدت مذبحة دير ياسين، وكيف بقيت صور هذه المذبحة الرهيبة
جاثمة على ذاكرتها ، تلاحقها ، وتحول حياتها إلى جحيم من الذكريات التي
لاتنسى .
بعد انتهاء العرض اقتربت مني سيدة في آواسط العمر ، هنأتني ، وأبدت رأيها
بالفيلم قائلة : "لقد أعجبني فيلمك ..ان فيه شيئاً من عناصر تاركوفسكي..."
عناصر تاركوفسكي ؟!
لم أعرف ماذا كانت تعني ب"عناصر تاركوفسكي"، لكنني شعرت عندئذ بفرح خفي، مع
أنني لم أكن أملك تصوراً كافياً عنه، فإلى ذلك الحين ، وخلال سنوات الدراسة
في معهد السينما ، كنت قد شاهدت فيلما واحدا لاندريه تاركوفسكي ، وهو فيلمه
الروائي الاول (طفولة ايفان) . وقد رأيت فيه فيلما خاصا جدا ، مشحونا
بالعواطف والآلام الإنسانية ، ومميزا عن كل ما كنا نراه في الأفلام
السوفيتية الأخرى .أما أفلامه اللاحقة (أندريه
روبلوف)و(سوليارس)و(المرآة)و(ستالكر). وهي الأفلام التي أخرجها في الاتحاد
السوفيتي ، قبل رحيله النهائي الى الغرب ، فلم يكن بوسعنا أن نراها لانها
لم تكن تعرض أساسا ، وكان الطلاب السوفييت يلجأون إلى تقديم طلبات رسمية
حتى يسمح لهم بالذهاب الى منطقة "محرمة" تقع خارج موسكو وتدعى "الأعمدة
البيضاء" حيث يوجد أرشيف سينمائي هائل، وتشاهد أفلام تاركوفسكي ، بالإضافة
إلى العديد من الأفلام الأخرى، الممنوع عرضها بشكل علني ، وكان الذهاب إلى
هذه المنطقة محظوراً على الأجانب .
لكنني عندما شاهدت أفلام تاركوفسكي أثناء عرضها في مهرجان موسكو السينمائي
عام 1987 تذكرت كلمات تلك السيدة من ليننغراد ، وأدركت ماكنت تعنيه بعناصر
تاركوفسكي...
إنها الأمطار التي تتساقط في غرف مغلقة ...
إنها رؤية الانسان لأعماق عالمه الداخلي من خلال النظر الى المرآة ...
عدت الى موسكو في أمسية التاسع والعشرين من كانون الأول عام 1986، وكانت
العاصمة الروسية تستعد لاستقبال العام الجديد، وكانت شوارعها مزينة
بالأضواء الملونة تتراقص انعكاساتها على صفحة الثلج الأبيض المتوهج ، وكان
الجميع يتبادلون التهاني والتمنيات .
في اليوم التالي ذهبت الى معهد السينما ، فتحت الباب ، عبرت الممر ، وفجأة
رأيت أمامي على واجهة المدخل نعياً مكتوبا بالخط الأسود العريض ، يشير الى
وفاة المخرج أندريه تاركوفسكي ، يوم أمس ، في فرنسا .
مات وحيدا ، بعد أن أنهكه السرطان ، في بلاد غريبة عنه ، بعيدا عن أرض وطنه
الذي أحبه وأخلص له حتى النهاية .. وربما يكون قد مات أيضا بسبب مرض آخر لم
يقو على تحمله ، مرض يدعى الحنين . الحنين الى الوطن . أما في موسكو ، فقد
كان المسؤولون المباشرون عن عملية التسميم الطويلة الأمد التي تعرض لها
تاركوفسكي طيلة حياته الابداعية ، يرفعون أقداح الفودكا ، احتفالا بالعام
الجديد .
عملية التسميم هذه بدأت بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم ( طفولة ايفان )،
وكان تاركوفسكي أول من أشار اليها في رسالته الموجهه إلى ممثل لجنة الدولة
للسينما، الكسي رومانوف، في نهاية عام 1966 : " هذه الرسالة هي نتيجة
تأملات عميقة حول وضعي كفنان، والألم الشديد الذي تثيره حملات معادية لي
ولفيلم ( اندريه روبلوف ). إن هذه الحملات، من خلال هجومها الشرير
وغيرالمبدئي، تمثل بالنسبة لي عملية تسميم ، وهي عملية بدأت مع فيلمي الأول
( طفولة ايفان)وهو الفيلم الذي تم بتر النجاح الذي حققه لدى الجمهور
السوفييتي بشكل واضح ومتعمد.."
انقضت سنوات طويلة.. وفي عام 1982 سافر أندريه تاركوفسكي الى ايطاليا
لاخراج فيلم سوفيتي ايطالي مشترك ، ثم دفعته ظروف قاسية إلى البقاء في
الغرب وعدم العودة إلى الاتحاد السوفيتي ، وفي ايلول عام 1983 كتب رسالة
الى والده يوضح فيها موقفه ويبرر قراره الذي وجد نفسه مضطرا لاتخاذه رغما
عنه :"ربما لم تكن تحسب الوقت ، لكنني خلال ما يزيد عن عشرين عاما أمضيتها
في السينما السوفيتية ، كنت عاطلا عن العمل ، بشكل ميئوس منه ، ولمدة سبعة
عشر عاما ، لم ترغب لجنة الدولة للسينما في أن أعمل ! لقد قامو بدس السم لي
طيلة الوقت ، والقطرة الأخيرة كانت فضيحة مهرجان "كان" حيث بذلو كل ما
بوسعهم حتى لا أنال أية جائزة ..ولقد نلت ثلاث جوائز كاملة عن فيلم (الحنين
) الذي اعتبره فيلما وطنيا الى أبعد الحدود..."
عندما تقدم اندريه تاركوفسكي ، الشاب اليافع، ضئيل الجسم، الذي غادر منذ
فترة وجيزة مقاعد المدرسة ، بأوراقه ليلتحق بالمعهد الموسيقي في موسكو ،
تمكن وبتفوق شديد من اجتياز جميع اختبارات القبول. تابع دراسته في المعهد
لمدة سنة ، وكان الجميع يتوقع لهذا الموسيقي الموهوب مستقبلا لامعا ، لكنه
ترك دراسة الموسيقا فجأة واختفى من المعهد ...
في السنة التالية تقدم بأوراقه الى معهد الفنون الجميلة ، وهناك أيضا قبلوه
وتوقعوا لهذا الرسام الموهوب مستقبلا لامعا، لكنه لم يلبث أن ترك معهد
الرسم بعد دراسة سنة كاملة...
خطوته التالية بعد ذلك كانت مفاجأة لأهله وأقاربه ، فقد التحق بمعهد
الثقافات الشرقية ، وكان العمل في السلك الديبلوماسي قد استهواه فجأه .وفي
ذلك المعهد درس مايقارب السنة إلاأنه لم يتركه هذه المرة ، بل طرد منه لعدم
تمكنه من تقديم الامتحانات ومتابعة المحاضرات بانتظام ..
رحل أندريه الى الشمال برفقة بعثة جيولوجية ، ولم يعرف أحد من أقاربه سبب
رحيله المفاجئ والهدف منه ؟ وبعد عودته تعرف الى بعض الأوساط المهتمة
بالنشاط المسرحي ، وسرعان ما تم ارساله مع زميل آخر ، باعتبارهما ممثلين
موهوبين ، الى مدرسة المسرح الأكاديمية الفنية ، فاجتازا امتحانات القبول
بتفوق ، ليصبح زميله ممثلا فيما بعد ، في حين لم يداوم أندريه في المدرسة ،
ولم يستمع لمحاضرة واحدة فيها .
في يوم ما كتب مقالة نقدية حول أحد الأفلام وطلب من احدى قريباته أن تقرأها
له وتبدي ملاحظتها ثم أخبر الجميع أنه يود الالتحاق بمعهد السينما في موسكو
.مضت بضعة أسابيع ورن جرس الهاتف في بيت الشاعر أرسني تاركوفسكي، والد
أندريه ، وكان المتحدث رستسلاف يورينيف ، الناقد والمؤرخ السينمائي المعروف
، والذي أراد أن يهنئ صديقه الشاعر بقبول ابنه في معهد السينما .. وكان رد
أرسني تاركوفسكي :"كان الله في عونكم ".
لقد كان خائفا من ان الذي حدث مع أندريه سابقا سوف يتكرر هذه المرة .
لكن الأمور سارت على نحو مختلف تماما ..
دخل اندريه عالم السينما . دخله بعصبية وقلق ، مثلما بقي يتذكره المخرج
ميخائيل روم الذي كان مشرفا على دراسته في المعهد ، حيث قال عنه أثناء احدى
جلسات مناقشة فيلم (اندريه روبلوف) الذي كان ممنوعا من العرض آنذاك : "أنا
اعرف تاركوفسكي منذ سنوات طويلة ، أعرفه منذ امتحانات القبول في معهد
السينما ، إنه انسان عصبي ، وكان يبدو قلقا وجريحا في أعماقه بحيث أمضينا
وقتا طويلا في محاولة تهدئته، إنه حساس وسريع التأثر ، إنه انسان مبدع حقا
.."
وقد بقي كذلك طيلة حياته التي استطاع خلالها أن يترك بصماته العميقة في
عالم السينما والثقافة ، من خلال الأفلام التي أخرجها والأفكار التي طرحها
. هذه الأفلام والأفكار كانت خاصة جدا وذات أشكال وصور فنية متميزة وغير
مألوفة بحيث اتهمه كثير من النقاد بأنه مخرج متصنع يوجه أفلامه الى فئة
محدودة جدا من الناس ، في حين يصعب على الفئات الأخرى التي تمثل عامة الشعب
أن تفهم مضمون هذه الافلام . ومع ذلك فقد حدث بعد عرض فيلم ( المرآة) على
طلاب أحد معاهد موسكو ، بحضور تاركوفسكي نفسه ، أن طرح طالب سؤالا يتعلق
بمضمون الفيلم ، الذي يعتبر أكثر أفلام تاركوفسكي تعقيدا ، وقبل أن يرد
تاركوفسكي على السؤال ، تدخلت عاملة التنظيف المسنة التي كانت تقف عند باب
القاعة ، تحمل مكنسة وجردل ماء ، بانتظار أن ينتهي اللقاء حتى تنظف القاعة
وتعود الى بيتها ، تدخلت قائلة :" كل شئ واضح في هذا الفيلم ..هناك انسان
أساء طيلة حياته الى الناس الذين أحبوه وأخلصو له ..وعندما أحس بأنه سيموت
شعر بالندم وأراد أن يفعل شيئا حتى يكفر عن ذنوبه ...لكنه لايدري ماذا يفعل
...طريقه مسدود..ولهذا فهو يتعذب ..." "ابتسم تاركوفسكي وهز رأسه قائلاً :
"صدقوني ..انها تقول الحقيقة.."
أثناء جمع مواد كتابي عن تاركوفسكي لم أكن أفكر بالتركيز على عملية سرد
أحداث ومواضيع أفلامه ، كان هدفي ، بالدرجة الاولى ، تقديم بعض الجوانب من
حياته ، سواء على الصعيد الانساني أوالابداعي ، ولم يكونا لينفصلا على اية
حال ،خصوصا بالنسبة لمخرج مثله ،هذا بالإضافة إلى أنه إذا كانت توجد أفلام
لايمكن سرد أحداثها ، فهي أفلام تاركوفسكي بالذات .. إنها افلام يجب
مشاهدتها ، وأثناء هذه المشاهدة ، داخل أجواء قاعات السينما السحرية ، يجد
المتفرج نفسه أمام عالم فني لامثيل له ، عالم رائع رغم كل مايكتنفه من غموض
، غموض الحياة نفسها . عالم يشبه قصيدة شعر حقيقية لاتستسلم للقارئ عند
القراءة الاولى ، لكنها تأسره وتثير مشاعره الانسانية الدفينة ،وعندما يعيد
قراءتها للمرة الثانية والثالثة ...والعاشرة ...يكتشف فيها أبعادا وصورا
جديدة ..وهكذا هي أفلام تاركوفسكي ، يمكن أن نشاهدها مرات عديدة ، وفي كل
مرة سوف يخرج المتفرج ملهما ، لقد ألهمه المخرج مشاعر الخير والمحبة ، وأن
ينظر الى العالم حوله بشكل مختلف .
عندما يرحل الفنان الحقيقي عن عالمنا فانه يترك أعمالا فنية رائعة وذكرى
تثير أغلب الأحيان مشاعر الحزن والألم ، ويترك حلما منشودا . ولعل تقديم (هاملت
) للسينما كان حلم تاركوفسكي المنشود .فبعد أن قدم (الحنين ) في ايطاليا
و(القربان) في السويد، وأوبرا(بوريس غودونوف) في لندن ، شرع يعمل بكل طاقته
على التحضير لفيلم (هاملت)، مع معرفته المسبقة بأن المرض الخبيث قد انتشر
في جسده ولم يترك له سوى أشهر وأيام معدودة .
أثناء بانوراما أفلام أندريه تاركوفسكي في مهرجان موسكو السينمائي عام1987
، شاهدث فيلما وثائقيا قصيرا بعنوان( زمن الرحلات ) سبق عرض فيلم ( الحنين)
. وقبل العرض صعد الكاتب الايطالي تونيو غويرا وتحدث كثيرا عن تاركوفسكي ،
وكان يبدو متأثرا للغاية .
(زمن الرحلات) فيلم يتحدث عن رحلات تاركوفسكي في ايطاليا ، برفقة تونيو
غويرا ، واختياره لمواقع تصوير ( الحنين) .لم يكن كتاب الاشعار يفارق يده ،
كان يبدو مرهقا وقلقا ...تحدث عن أشياء كثيرة ، عن أفلامه وآرائه واحلامه
..قال إن السينما بالنسبة له كالحياة تماما إذ هي قادرة على استيعاب كل شئ
، ويجب أن تكون هناك علاقة وطيدة بين عمل سينمائي وحياته الشخصية ، وأن
يكون لكل فيلم اسئلة ومواضيع أخلاقية يطرحها .
تحدث عن وطنه ، وقال إنه يحبه الى حد الجنون ...
اللقطة الاخيرة من فيلم ( الحنين ) ، يموت غورتشاكوف، بطل الفيلم ، والموت
يعني العودة الى الجذور ...نشاهد غورتشاكوف جالسا على العشب وبجانبه كلبه
الوفي ، تتراجع الكاميرا ، ثمة بركة ماء صغيرة بقربهما ، تتراجع الكاميرا
أكثر ونشاهد المرج والتل والاشجار وبيت الطفولة بعيدا ...تتراجع الكاميرا
أكثر لتكشف أن المكان كله يقع ضمن جدران هائلة وأعمدة ضخمة لمعبد قديم كان
غورتشاكوف يتردد عليه أثناء غربته..
تتوقف الكاميرا ...ثمة موسيقا بعيدة ، يبدأ الثلج يتساقط ... تماما كما في
روسيا ...
ينتهي الفيلم وتظهر العبارة التالية :
"يهدى الفيلم لذكرى امي الراحلة "...أندرية تاركوفسكي
تضاء الأ نوار في قاعة العرض ...أذكر ذلك الصمت المخيف الذي خيم فوق الجميع
.. لم يرغب أحد في أن ينهض ويغادر القاعة ، كما أن أحدا لم يتفوه بكلمة
واحدة .
نظرت حولي ، كثيرون قد فهمو وشعروا وتأثروا..وبكوا....
في حين حاول البعض الآخر أن يرسم على وجهه علامات الفهم والتأثر..
لكن الانوار كانت مضاءة.. وكان كل شئ يبدو واضحا وجليا ...
وأخيرا..
ينتهي فيلم تاركوفسكي الأول (طفولة ايفان) مع لقطة لشجرة سوداء ميتة ،
وينتهي فيلمه الاخير ( القربان) الذي صوره بعد أربعة وعشرين عاما ، مع لقطة
لشجرة بيضاء على وشك أن تثمر.. حقيقة لايمكن الا أن تثير الدهشة والإعجاب
...
لقد كان تاركوفسكي يخاف من معرفة ماسيأتي به المستقبل ، اذ كان يعتبره
واحدا من شؤون الله الخاصة التي لايجب أن يقحم الانسان نفسه فيها ،لكنه مع
ذلك، كان يحدس أن ( القربان) هو فيلمه الاخير ، فأراد أن يصوغ الجملة
الختامية في لحنه الخاص ، وينهيه على درجة من التفاؤل والأمل ، رغم قتامة
العالم الذي يعيشه أبطال الفيلم ، والذي يعكس بعض قتامة عالمنا هذا ...
مابين احتراق الشجرة وانبعاثها يكمن ابداع اندرية تاركوفسكي . ومابين الموت
والحياة ، يوجد ذلك المضيق الصعب الذي يتوجب على الانسان اجتيازه لتحقيق
انسانيته ، والارتقاء الى الاعلى .
|